الإتفاقيات الـ 48 مع واشنطن .. بين وعود الإنفتاح و واقع التنفيذ
محمد الجوراني
الزيدي عاد للعراق من واشنطن بحزمة من 48 إتفاقية و مذكرة تفاهم ، طرحت كبداية لمرحلة إنفتاح إقتصادي جديدة ، عناوينها كبيرة مثل الطاقة و الإستثمار و الصناعة و التكنولوجيا .. و تمكين القطاع الخاص .
لكن الشارع العراقي يتساءل و يطرح عدة أسئلة لا تحتمل التأجيل :-
أولاً : ماذا تعني هذه الإتفاقيات للمواطن عمليا..؟؟
و في ملف الطاقة و الكهرباء .. تركز الإتفاقيات على إستثمار الغاز المصاحب ، و بناء محطات دورة مركبة و تأهيل شبكات النقل..!!
فإذا التزمنا بالجداول الزمنية .. يمكن خلال 18 إلى 36 شهراً ، أن نرى إنخفاضاً فعلياً في ساعات القطع .
كما أن وقف إستنزاف العملة الصعبة على إستيراد الغاز ، سيحرر مبالغ ضخمة للموازنة يمكن توجيهها للخدمات .
و الأهم أن إستقرار الكهرباء سيعيد عجلة المصانع المتوقفة إلى الدوران ، فيخلق فرص عمل حقيقية خارج إطار التوظيف الحكومي .
و في ملف التشغيل و القطاع الخاص .. فإن تسهيل دخول الشركات الأمريكية و تفعيل أدوات التمويل الدولية ، يستهدف كسر إحتكار الدولة لسوق العمل .. و الهدف المعلن هو توفير 50 إلى 100 ألف فرصة عمل خلال خمس سنوات ، لكن القيمة الأكبر تكمن في نقل التقنية و تدريب الكوادر العراقية ، و رفع سقف الأجور بفعل المنافسة .. بإختصار ، و الإنتقال من ثقافة إنتظار التعيين إلى ثقافة سوق يطلب الكفاءة .
أما الرقمنة و الحكومة الإلكترونية فقد تكون الجبهة الأسرع إنجازاً .. إتفاقيات الإتصالات و المصارف الرقمية ، تعني للمواطن معاملة حكومية تنتهي في أيام لا أسابيع ، و دفعاً إلكترونياً يقطع الطريق على الإبتزاز ، و إنترنت أسرع و أرخص .. إنها ليست رفاهية بل أداة أساسية لمكافحة الفساد الإداري .
و لا يمكن تجاهل الأمن الغذائي .. فدعم سلاسل التبريد و الري الحديث و تمويل المزارع ، يمكن أن يخفض فاتورة السلة الغذائية بنسبة 15 إلى 20% ، و يقلل الهدر الزراعي إلى النصف .. و النتيجة المباشرة ستكون إستقراراً نسبياً في أسعار المواد الأساسية ، و تخفيفاً واضحاً على كاهل الأسرة ..!!
و أخيرا في الصحة و التعليم .. فإن الشراكات مع المؤسسات الأمريكية و المنح الدراسية ، قد لا تظهر نتائجها غداً .. لكنها بعد 3 إلى 5 سنوات ، و ستوفر أجهزة تشخيص متقدمة و تخصصات نادرة تحد من نزيف العلاج في الخارج .
ثانيا : سبعة تحديات تعيق التنفيذ .. و هناك سبعة تحديات فنية وإدارية تقف حائلا :-
1• بيئة الإستثمار الطاردة : الشركة الأمريكية تطلب قضاء نزيه و ضمان تحويل الأرباح و حماية من الإبتزاز .
و إجراءات تأسيس الشركة التي تستغرق ستة أشهر و 17 توقيعاً هي طاردة بامتياز ..!!
2• تضارب الصلاحيات : لا أحد يعرف من يقرر .. الوزارة..؟؟ هيئة الإستثمار
المحافظة..؟؟
حين يدخل المشروع في متاهة أربع دوائر رقابية ، يتحول مشروع الـ 18 شهراً إلى مشروع الأربع سنوات ..!!
3• آفة الكلف التخمينية : تجربتنا تقول إن المشروع الذي يكلف 100 يحال بـ 300 .. الشركات الأمريكية لن تدخل في هذه المعادلة ..!!
4• البنى التحتية المتهالكة : لا مصنع يعمل بلا كهرباء مستقرة و ماء و طريق ، و هذا يعني إستثمار مليارات إضافية لتأهيل الأرض قبل المستثمر .
5• فجوة الكفاءات : مخرجات التعليم لا تلبي سوق العمل الجديد .. إذا لم نؤهل شبابنا الآن .. فسنستورد العمالة .
6• عدم إستقرار التشريعات : المستثمر يريد ضمانا لعشرين سنة ، أي حديث عن مراجعة العقود مع كل حكومة جديدة كفيل بإفشال كل شيء .
7• الثقافة المجتمعية : لعقود تعودنا على الوظيفة الحكومية .
و اليوم 70% من الفرص ستكون في القطاع الخاص .. بلا ضمان إجتماعي و توعية ، سنواجه رفضاً شعبياً .
ثالثا : خارطة الطريق .. ثلاثة قرارات لا تحتمل التأجيل .. حتى لا تتحول الـ 48 إتفاقية إلى رقم في بيان ، نحتاج إلى إجراءات حاسمة :
1• : تشكيل غرفة عمليات عليا برئاسة رئيس الوزراء ، تتابع تنفيذ كل إتفاقية .. أي تأخير لأكثر من 30 يوماً يرفع لها مباشرة .
2• : إقرار قانون النافذة الواحدة للمستثمر الأجنبي .. موافقة واحدة خلال شهر و تعتبر نافذة بحكم القانون في حال التأخير .
3• : ربط كل إتفاقية بمؤشر قياس يلمسه المواطن . هذه الاتفاقية مسؤولة عن ساعتين كهرباء إضافية ، وتلك عن تشغيل 5 آلاف شاب .. و لنعلن تقريراً ربع سنوياً بالنتائج ، فالشفافية وحدها هي رادع الفساد .
الإتفاقيات الـ 48 ليست عصا سحرية ، بل هي إختبار حقيقي لإرادة الدولة .. فتحت الباب أمام رأس المال و التقنية ، لكن هل نملك مفاتيح الباب الداخلي ..؟؟