الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين ثراء الفاسدين وفقر الشوارع

بواسطة azzaman

بين ثراء الفاسدين وفقر الشوارع

هدى زوين

 

سنواتٌ طويلة مرّت، وهذا الوطن يقف عند مفترقٍ لا يشبهه… بلدٌ غني بثرواته، مثقلٌ بتاريخه، لكنه يرزح تحت واقعٍ يثير الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات.

السؤال الذي يتكرّر بإلحاحٍ مؤلم: أين ذهبت تلك المليارات؟ كيف تبخّرت أموال كان يُفترض أن تبني وطنًا، فإذا بها تُبنى بها إمبراطوريات خاصة لا يعرفها إلا أصحابها؟

ليس الحديث هنا عن أرقامٍ مجردة، بل عن مصير وطن.

أموالٌ خرجت من خزائن الدولة، لكنها لم تصل إلى مدارسٍ تُرمّم، ولا إلى مستشفياتٍ تُنقذ، ولا إلى شوارع تُعبّد، ولا إلى بيوتٍ تستر كرامة الفقراء.

اختفت في مكانٍ ما… أو بالأحرى، ظهرت في أماكن أخرى.

حين نفتح ملفات الواقع، لا نحتاج إلى كثيرٍ من التدقيق لنرى التناقض الصارخ:

طبقةٌ تنعم بثراءٍ فاحش، وسياراتٍ فارهة، وحياةٍ مترفة لا تعرف حدودًا، في مقابل شعبٍ يلهث خلف أبسط مقوّمات العيش.

مشهدٌ يختصره طفلٌ يركض في الشارع، يبيع ما تيسّر، أو يبحث عمّا يسدّ رمقه، تحت شمسٍ قاسية لا تقلّ قسوةً عن واقعه.

أيّ عدالةٍ هذه التي تضع الطفولة في مواجهة الحرمان؟

وأيّ دولةٍ هذه التي تقف عاجزة أمام مشهدٍ يتكرّر يوميًا دون أن يتحوّل إلى قضية وطنية حقيقية؟

المدن ليست أفضل حالًا

أحياءٌ مدمّرة لم تُرمّم، طرقاتٌ غير معبّدة، خدماتٌ تكاد تكون معدومة، ومشهدٌ عام يختصر كلمة واحدة: الإهمال.

ليس إهمالًا عابرًا، بل إهمالٌ تراكم حتى أصبح واقعًا مفروضًا، كأنه قدرٌ لا مفرّ منه.

ثم تأتي "أزمة الكهرباء"، كواحدةٍ من أكثر الملفات إثارةً للجدل والسخط الشعبي.

سنواتٌ من الوعود، ملياراتٌ صُرفت، وخططٌ أُعلنت، لكن النتيجة واحدة: انقطاع مستمر، ومعاناة يومية، وحرّ لا يُحتمل.

فهل المشكلة فعلًا في الكهرباء؟

أم أن الكهرباء ليست سوى عنوانٍ لخللٍ أكبر؟

الحقيقة التي لم تعد خافية على أحد، أن الأزمة ليست أزمة موارد، ولا نقصًا في الإمكانيات، بل أزمة إدارة، وأزمة فساد، وأزمة غياب للمساءلة.

حين تتداخل المصالح، وتُهدر الأموال، وتُعطَّل المشاريع، تصبح الخدمات رفاهية، ويصبح الحصول على حقٍ أساسي إنجازًا يُحتفى به.

في هذا الوطن، لا تنطفئ الكهرباء وحدها

بل تنطفئ معها الثقة، وتبهت معها الآمال، ويشعر المواطن أنه خارج حسابات الدولة، لا داخلها.

المشكلة ليست في قلة الإمكانيات، فهذا البلد يطفو على ثرواتٍ هائلة، لكن هذه الثروات لم تتحوّل إلى رفاهٍ عام، بل إلى فجوةٍ متزايدة بين طبقةٍ محدودة تزداد غنى، وغالبيةٍ تعاني الفقر والحرمان.

وهنا، لا يمكن تجاهل السؤال الأهم: أين تكمن المسؤولية؟

هل هي مسؤولية فرد، أم منظومة كاملة؟

هل هي نتيجة أخطاءٍ عابرة، أم نهجٍ مستمر؟

الواقع يقول إن ما نراه اليوم ليس صدفة، بل نتيجة تراكمات طويلة من السياسات الخاطئة، والقرارات المرتجلة، وغياب الرقابة الحقيقية.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح المواطن الحلقة الأضعف، يدفع الثمن من يومه، ومن صحته، ومن مستقبله.

ورغم كل ذلك، يبقى الأمل قائمًا

لأن الشعوب التي عانت، قادرة على أن تنهض، إذا ما وُجدت الإرادة، وتوفّرت القيادة الصادقة، وتمّ وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

هذا الوطن لا يحتاج إلى معجزات بل يحتاج إلى إدارة نزيهة، ومحاسبة حقيقية، وقرار شجاع يعيد ترتيب الأولويات.

لا ينقصه المال…ولا الكفاءات

ولا التاريخ

ما ينقصه هو الضمير.وحين يعود الضمير،سيعود الوطن.


مشاهدات 41
الكاتب هدى زوين
أضيف 2026/07/28 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/07/29 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 114 الشهر 31456 الكلي 15996582
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير