المنصب والعمل
ماهر جبار الخليلي
من بعض الامثال او الحكم المشهورة مقولة تقول ( الناس على دين ملوكهم ) وحسب المصطلحات العسكرية هناك عبارة معروفة عند العراقيين الذين شهدوا عسكرة المجتمع لاكثر من عقدين ( الوحدة بامرها ) او بمعنى اخر (السفينة بربانها) ، ومن ابيات الشعر المشهورة ايضا في هذا المجال :
« إذا كان رب البيت بالدف ضارباً
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص «
كل هذه العبارات تؤكد على ان المسؤولية الاولى والاخيرة تقع على عاتق المسؤول الاول سواءا كان في البيت او المدرسة او الدائرة او المؤسسة او الوزارة او الدولة .
وفق هذا المفهوم فان اصلاح المجتمع يبدأ من القيادات ، ان صلحت القيادات صلح المجتمع والعكس صحيح ،فكيف نفهم ان قيادات المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية بانهم صالحين ويؤدون دورهم جيدا ؟
قبل الاجابة على هذا السؤال هناك رايا يقول ان القيادة هي انعكاس للمجتمع لانها من رحمه فان كان صالحا كانت القيادة صالحة والعكس صحيح وهذا بالطبع راي مردود لان هناك الكثير من الامم التي نهضت بنفسها واصلحت مجتمعها بفضل كفاءة وصلاح ووطنية قادتها وهي تعيش في اقصى درجات الفساد الاخلاقي والاداري والمالي والشواهد كثيرة لايمكن حصرها ،مثل الصين وماليزيا وايران وكوريا الجنوبية وتركيا وغيرها .
ثوابت مسلم
وابدا بالاجابة عن السؤال من مقولة امير المؤمنين الامام علي عليه السلام
( لايعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف رجاله )
وهذا يعني ان هناك مقاييس ومعايير ونظم تحكم الحق ليكون حقا وبغيرها لايكون،وهذه المقاييس لها دور في التمييز بين رجال الحق ورجال غير الحق،ونفهم من ذلك ايضا ان هذه المعايير او المقاييس يتم اعدادها وترتيبها على اساس انها ثوابت مسلم بها ،ويتم عرض اعمال المسؤول الفلاني الذي يشغل منصبا معينا في الدولة او في المجتمع على هذه الثوابت فان طابقها فهو صالح وان خالفها فهو طالح ،بمعنى اخر ان المسؤولية وحجمها وثقلها ليست بكبر المنصب وصغره ولكنها بما فعلت وعملت وقدمت،وان خدمة الناس شرف ورفعة ،جعلنا الله واياكم من العاملين على هذه الخدمة انه سميع مجيب .
من الواضح ان الامام قصد بالرجال الحكام والمسؤولين واهل المناصب العليا في البلاد او على الاقل ان هؤلاء منهم ،وبذلك نفهم انها توصية للناس او الشعوب او الجماهير بان يكونوا على معرفة ودراية بمقاييس ومعايير الحق وذلك ليميزوا من يحكمهم او يكون مسؤولا عنهم هل يسير على الحق ام لا ؟ وهي توصية للمسؤولين ايضا بان المناصب العليا في البلاد ترتبط ارتباطا وثيقا بالحق ، بمعنى اخر ان الامام يقول للمسؤول ان كنت قادرا على الحكم بالحق فاقبل المنصب وان لم تكن قادرا فعليك تجنبه لانه سوف يخسرك الدنيا والاخرة .
قال جبران خليل جبران في مسالة العمل ووصفه وصفا جميلا « 00 فالحق اقول لكم ان الحياة تكون في الحقيقة ظلمة حالكة اذا لم ترافقها الحركة ،والحركة تكون عمياء لابركة فيها ان لم ترافقها المعرفة،والمعرفة تكون عقيمة سقيمة ان لم يرافقها العمل،والعمل يكون باطلا وبلا ثمر ان لم يقترن بالمحبة ،لانكم اذا اشتغلتم بمحبة فانما تربطون انفسكم وافرادكم بعضها ببعض ،ويرتبط كل واحد بربه «.
ان جبران ربط الحياة بالمعرفة وجعلها اساسا للعمل ولكنه اكد بان العمل يجب ان يقترن ويرتبط بالمحبة وجعل المحبة اداة للترابط الاجتماعي والاخوي واوصله في النهاية بعبادة الله سبحانه وتعالى،الحديث هنا عن الصدق والاخلاص في العمل،عن وجوب الحركة والنشاط للانسان ليولد من جديد في حياة مليئة بالاحداث.
انها وصية للبشر من الائمة والحكماء على حد سواء بالتكاتف والتعاون والترابط ،وهو تحذير من التباغض والتصارع والتكاسل تحت مسميات متعددة،وهو تذكير بان الانسان مصيره واحد وهو الموت وان سعي الانسان الى مساعدة ومساندة ومناصرة اخيه الانسان تاتي بالخير على البشرية جمعاء ،اما العكس فهذا يخرج الحياة من جوهرها التي خلقت من اجله ويجعلها حزينة وكئيبة قريبة من الانهيار والتلاشي والعياذ بالله .
ولعل ابيات الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد تمثل جوهر المعنى الذي نقصد :
يا أمّ خــالد ما يكـــون الـــ عـمر 00؟ 00 أعوامـا نغالـي
بحسابها 00 ؟ تفنى السنين وان تكــــن عـــــــدد الرمـــــال
ليـــس الرجــــــــال العـــمــر الأعمار تحســــب بالرجــــــال
كــم خالــدين جـــرت بـــــهم اعمـــارهم بــخـطــى عجـــــال
بينمـــــــــــا يـغـطـي الارض امــــوات باعــمـــار طـــــــوال
خلاصة القول بان المناصب يجب ان ترتبط بالاعمال الجيدة والمتقدمة والمفيدة،لان المناصب ليست للشرف والرفعة والهيبة والمكانة والتباهي والجاه والمال والاستغلال، وانما هي لخدمة الناس ولتطوير البلد ولبناء الوطن والحرص على رفاهية ابنائه والحفاظ على امواله والسعي الى ايجاد وسائل التقدم والبحث عن عوامل الترابط والوحدة وبذل الجهود المضنية لتقليل المال المهدور والمغصوب والضائع ورفع وتنويع الواردات ، هذه هي اهم الصفات التي يجب ان يتمتع بها المسؤول ،ونصفها ايضا بالمهام التي يجب ان يقوم بها المسؤول فان قلنا بانها نزر بسيط من المقاييس التي عناها الامام علي عليه السلام فيمكن ان نصل الى ان نضع المسؤولين في بلادنا امامها ونسأل اين هم من تلك المهام او الصفات .