الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في أسئلة السيادة.. لا يكفي الصمت ولا التهرّب

بواسطة azzaman

في أسئلة السيادة.. لا يكفي الصمت ولا التهرّب

محمد علي الحيدري

 

ليست أصعب لحظات المسؤول تلك التي يواجه فيها أزمة سياسية، بل تلك التي يجد نفسه فيها أمام سؤال واحد، قد لا يستغرق طرحه سوى ثوانٍ، لكنه يحمل في طياته من الدلالات ما يفوق أحياناً أثر قرارات كاملة.

فالأسئلة التي تتصل بالسيادة الوطنية ليست مجرد استفسارات صحفية، وإنما لحظات اختبار لخطاب الدولة وهيبتها. ولهذا فإن قيمة الإجابة لا تُقاس بكمية المعلومات التي تكشفها، بل بقدرتها على تثبيت الموقف الوطني، وإرسال الرسائل الصحيحة إلى الداخل والخارج في آن واحد.

في الدبلوماسية الحديثة، لا يُطلب من رجل الدولة أن يفصح عن كل ما يعرف، لأن السياسة ليست كشفاً للمداولات المغلقة، ولا الأمن القومي مادةً للنقاش المفتوح. لكن ما يُنتظر منه دائماً أن يمنح الرأي العام يقيناً بأن الدولة تعرف أين تقف، وأن مصالحها العليا ليست موضع ارتباك أو تردد.

وهنا يكمن الفارق الدقيق بين الصمت المدروس والفراغ السياسي.

فالصمت المدروس يكون موقفاً عندما يسبقه أو يرافقه خطاب واضح يؤكد الثوابت ويحدد الإطار العام للقضية. أما الفراغ السياسي، فهو أن يغيب الموقف نفسه، فيتحول الامتناع عن الإجابة إلى مساحة واسعة تتكاثر فيها التأويلات، ويصبح الآخرون هم من يكتبون الرواية نيابة عن الدولة.

ولذلك لا يخشى السياسي المحترف السؤال الحساس، لأنه يدرك أن السؤال ليس خصماً يجب الإفلات منه، وإنما فرصة لإعادة تثبيت المرجعيات الوطنية. فهو قد يمتنع عن الدخول في التفاصيل، لكنه لا يمتنع عن تأكيد المبادئ. وقد يرفض التعليق على مجريات تفاوضية أو أمنية، لكنه لا يترك انطباعاً بأن سيادة بلاده موضوع قابل للتردد أو المساومة.

إن الدول لا تُقرأ فقط من خلال قراراتها، بل من خلال اللغة التي تتحدث بها في لحظات الاختبار. فالمؤتمرات الصحفية، والمقابلات التلفزيونية، واللقاءات الإعلامية، أصبحت جزءاً من أدوات السياسة الخارجية بقدر ما هي أدوات للتواصل مع الجمهور. وما يقال فيها لا يسمعه المواطن وحده، بل ترصده العواصم، وتفككه مراكز الدراسات، وتبني عليه وسائل الإعلام الدولية كثيراً من استنتاجاتها.

لهذا فإن المسؤول، عندما يتحدث في قضية تمس السيادة الوطنية، لا يخاطب جمهوراً واحداً. إنه يخاطب المواطن الذي يريد الاطمئنان، والحليف الذي يبحث عن الوضوح، والخصم الذي يختبر صلابة الإرادة، والأسواق التي تقرأ الاستقرار، والمؤسسات الدولية التي تراقب اتجاهات القرار. وكل كلمة في مثل هذا السياق تتجاوز معناها اللغوي لتصبح مؤشراً سياسياً.

ومن هنا، فإن البلاغة السياسية ليست في الإفصاح عن الأسرار، بل في امتلاك القدرة على الجمع بين التحفظ والوضوح. فالمسؤول الناجح هو الذي يعرف كيف يحمي ما ينبغي أن يبقى داخل غرف القرار، وفي الوقت نفسه لا يسمح بأن يُفهم تحفظه على أنه تردد، أو أن يُفسَّر صمته بوصفه غياباً للموقف.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في قضايا السيادة ليس نقص المعلومات، وإنما غموض الإرادة. فالمواطن يتسامح مع عدم معرفة التفاصيل، لكنه يصعب أن يتسامح مع غياب الإحساس بأن الدولة واثقة من نفسها، ومتماسكة في الدفاع عن حقوقها، وقادرة على التعبير عن موقفها بثبات واتزان.

ولهذا، فإن رجل الدولة لا يُختبر عندما يجيب عن الأسئلة السهلة، وإنما عندما يقف أمام سؤال لا يستطيع أن يقول فيه كل شيء، لكنه ينجح في أن يقول الشيء الأهم: إن للدولة موقفاً واضحاً، وإن سيادتها ليست مجالاً للتردد، وإن الحكمة في إدارة الملفات الحساسة لا تعني أبداً التراجع عن الثوابت، بل تعني التعبير عنها بلغة تليق بالدولة، وتحفظ لها هيبتها، وتمنح مواطنيها الثقة، وتُفهم العالم أن الصمت، حين يكون اختياراً، لا يكون يوماً بديلاً عن الموقف.

 


مشاهدات 39
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/07/25 - 1:39 AM
آخر تحديث 2026/07/25 - 4:06 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 281 الشهر 26861 الكلي 15931988
الوقت الآن
السبت 2026/7/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير