الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السيادة .. مسارها الداخلي والخارجي

بواسطة azzaman

السيادة .. مسارها الداخلي والخارجي

محمد العسكري

 

السيادة ليست كلاماً عاطفيّاً أو سياسيّاً عابراً، بل هي تمثّل هوية أي بلد ومكانته في الإقليم والمجتمع الدولي، وتبرز حجمه وثقل وزنه في التأثير بمحيطه والعالم. فالسيادة تشمل القواعد التي تحدد مسارات السلطة السياسية وتصنع السياق للعلاقات بين الدول.  والسلطة الحديثة سلطة مركزية وفي عهدة الحكومة التي تحكم شعباً ضمن أرض وحدود واضحة  واقتصاد معلوم.

استقلال تكويني

عندما تكون الدولة ذات سيادة تتمتع باستقلال تكويني، حيث لا يكون للكيانات الأخرى أي سلطة سياسية في مشاركة تلك الدولة. فالسيادة تعتمد بشكل أساسي وقانوني على الاستقلال المؤسساتي فهناك قواعد تنظم طريقة أداء الدولة ذات السيادة وكيفية إدارة علاقاتها الخارجية والداخلية، وأهمها:

اولاً: مبدأ عدم التدخل.

يعني أن الدولة من حقها اختيار مساراتها التي تختارها وإدارة شؤونها من دون السماح بالتدخل الخارجي، فهي حرة في تحديد استرايجيتها وسياستها الداخلية والخارجية من دون تدخل الآخرين وإملاء الشروط عليها.

ثانياً: المعاملة بالمثل،

وهذا يعرف بالتعاطي بما يخدم ميزة مشتركة اي بمعنى قيام الدول بعقد اتفاقات ومعاهدات فيما بينها بصفة شريك أو بصفة حليف أو اي مسمى اخر بشرط يكون هناك تساوياً في تحقيق المصالح المشتركة. وأيضًا تعني المعاملة بالمثل أن تتخذ الدولة خطوات لحفظ السيادة، بأن يكون رد فعلها تجاه أي عدوان او تجاوز من اي دولة على الأعراف والمواثيق بعمل معاكس ومشابه للردع أو لإيقاف التدخلات التي تهدد الأمن القومي  أو تنتقص من السيادة بعد أن توثق بشكل رسمي وتعرض أمام الرأي العام والمجتمع الدولي. تواجه السيادة في معظم الدول تحديات تقلل من مسارات سيطرتها فالعولمة فتحت مجالات عديدة للأضرار بسيطرة السلطات على مقدرات الدولة. وعقدت السيطرة داخل حدودها أو خارجها وكذلك التطور في الاتصالات الإلكترونية، وتوهج الإنترنت وحركة نقل الأموال الإلكترونية بمنظومات عالية الدقة وبأساليب مختلفة، مما سهّل من عملية غسيل الأموال، وكذلك دخول الذكاء الاصطناعي والأفكار العقائدية والأيديولوجية المتطرفة، وأدلجة الأديان، وزيادة عدد الشركات متعددة الجنسية واتساع تأثير وسائل الاعلام المتنوعة والمسيسة جعل كل هذه الأمور وغيرها من التحديات والمعاضل التي تواجه الحكومات في فرض سيطرتها وفرض سيادتها على بلدانها.

سيطرة سيادية

فالدول الرصينة التي تحافظ ولا تفرط بسيطرتها السيادية الكاملة تعتمد على قواعد أساسية، اهمها المحافظة وادامة قدراتها وقوتها العسكرية والقدرة على ضبط السكان ومراقبتهم وتنظيم الحريات وفق الضوابط العالمية لمراعاة حرية التعبير وحقوق الإنسان، وعدم السماح للفوضى التي يستغلها البعض لممارسة العمل الاعلامي بطريقة ابتزازية بذريعة حرية الصحافة والرأي، وبدون ضوابط مهنية وأخلاقية.

والمشكلة الأهم التي تواجه الحكومة في فرض سيادتها هي حينما يجري توزيع السلطة السياسية على جهات فاعلة مختلفة عديدة، والمحصلة أن الدولة تقع تحت ضغوطات لأنها تخسر صلاحياتها تدريجيًا في احتكارها التقليدي للتنظيم والسيطرة السياسية والاقتصادية. والمحاصصة هي أساس توزيع الصلاحيات السياسية، وهذا ما حصل في العراق للأسف في العقدين الماضيين. ولو نظرنا إلى الحكومة الجديدة الحالية التي لم يمض على تسنمها المسؤولية أكثر من 60 يومًا، حتى أنها لم تكمل عقد الـ 100 يوم، الفترة القياسية الدولية لتقويم عمل أي حكومة جديدة، ولكن يبدو أن الحكومة اختصرت الزمن والمسافات، لتواجه التحديات التي لا تعد ولا تحصى التي خلفتها لها العملية السياسية التي بنيت على المحاصصة والمكاتب الاقتصادية وتوزيع الولاءات من وطنية إلى حزبية، وانكفاء مؤسســــات الدولة حتى أصبحت بعد أزمة الحرب الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، تعاني حتى من تأمين رواتب الموظفين.

فالغوص في أعماق توطين السيادة أصبح أحد أهداف الحكومة الجديدة التي يبدو أنها غير متحزبة رغم تحديدها بالإطار ويبدو أن بوصلة سفينة العراق باستعادة السيادة اتجهت غربًا باتجاه واشنطن أولا، ونجحت حتى الآن من استبدال العلاقة الاستراتيجية العسكرية إلى علاقة اقتصادية وتنموية، بعد أن صادقت الحكومة على نحو 48 مذكرة تفاهم واتفاقية اقتصادية وتنموية واستثمارية. وحرص رئيس الحكومة في زيارته إلى واشنطن على التأكيد على سحب القوات الأمريكية من قواعدها في نهاية شهر أيلول (سبتمبر)، ليزيح الغطاء بتمسك حمل السلاح من بعض الفصائل التي تعمل خارج منظومة الدولة، حيث كانت تقاتل الإرهاب وتدافع عن أمن البلد مع باقي التشكيلات الرسمية، ولكنها فضلت الاحتفاظ بسلاحها لمسوغات وجود القوات الأمريكية. وقرار نزع أسلحة فصائل المقاومة قد يكون أصعب قرار يمكن تنفيذه بعد قرار مكافحة الفساد، ويحتاج إلى جهود ومباحثات معمقة مع قادة الكتل السياسية وقادة الفصائل من أجل حقن دماء العراقيين، و الحفاظ على وحدة الأجهزة الأمنية والاستفادة من هذه الطاقات، وعدم اللجوء إلى التصادم معها، ورحلة أخرى شرقية إلى طهران لتعزيز ومناقشة العلاقات بين البلدين المتجاورين وفق المصالح المشتركة ووفق القوانين والأعراف الدبلوماسية المعتادة، ومناقشة عدم التدخل في الشؤون الداخلية. وكذلك توضيح وجهة نظر العراق بأنه لن يسمح باستخدام أراضيه لاستهداف أي دولة من دول الجوار، ومناقشة ملفات معقدة أمنية واقتصادية ومالية، وكذلك مناقشة ما يجري من تداعـــــيات في الحرب الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وغلق مضيق هرمز، وكثير من الأمور الأخرى نتج عنها ابـــــرام اتفاقيات ومذكرات اقتصادية واستثمارية وتعاون امني ليثبت للجانب الايراني ان العراق سيد نفسه وانه يستطيع ان يبرم اتفقات مع ايران كما فعل مع الولايات المتحدة الامريكية رغم انهما نقيضان ويخوضان مواجهة عسكرية في المنطقة وتنتظره رحلات شمالية إلى أنقرة وجنوبية صوب الرياض وعدد من العواصم الأخرى. وهذه خطوات مهمة لإعادة مكانة العراق في المنطقة والعالم.

جني ثمار

ولكن السؤال الاهم : هل يمكن استغلال هذه الزيارات والعلاقات لتنفيذها كواقع نجني ثماره في الأشهر والسنوات المقبلة؟ ام انها بداية نشاط اي حكومة جديدة ويبدو ان المؤشرات توضح أن العزيمة قوية، والإرادة موجودة، والتصميم على العمل واضح منذ البداية للعيان. ولكن الخشية من أعداء النجاح من بعض الكتل السياسية التي تسعى بقوة لتعطيل أي مشروع تنموي اقتصادي سيادي يرفع مكانة العراق أمام دول الإقليم والعالم، وتسعى بكل قوة على المحافظة على وضعها الاقتصادي وجل عملها العيش على الأزمات والنكبات والصراعات. فالسيادة تبدأ أولا من إصلاح الداخل، وتنطلق منه. وعندما يكون البلد رصيناً وموحداً بقراراته السياسية والاقتصادية والعسكرية والامنية عندها يفرض سيادته الخارجية.

فريق ركن دكتور


مشاهدات 33
الكاتب محمد العسكري
أضيف 2026/07/27 - 3:09 PM
آخر تحديث 2026/07/28 - 1:50 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 30269 الكلي 15995395
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير