الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رؤيا القانون الإنساني الجديد

بواسطة azzaman

رؤيا القانون الإنساني الجديد

أحمد فاتح محمد

 

يشهد عصرنا الحالي تحولاً جذرياً في بنية المجتمعات والعلاقات الإنسانية، مما يفرض على علم القانون إعادة النظر في أسسه الفلسفية والنظرية. إن القانون الإنساني الجديد الذي ندعو إليه ليس تطويراً شكلياً للقواعد القائمة، بل إعادة بناء لمفهوم القانون ذاته، يجعله أداة لصون الكرامة الإنسانية في مواجهة التحديات التقنية والاجتماعية غير المسبوقة.

تقليدياً، قامت نظرية القانون على فكرة أن القاعدة القانونية هي قاعدة عامة مجردة، ملزمة، ومفروضة من الدولة. غير أن هذا المفهوم أصبح غير كافٍ أمام ظاهرة الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا المراقبة، والتعديل الوراثي، والاقتصاد الرقمي. فالقانون التقليدي يركز على الحماية السلبية (حرية عدم الاعتداء)، بينما يحتاج العصر إلى قانون يؤسس حقوقاً إيجابية تحمي قدرة الإنسان على تحقيق ذاته ككائن عاقل وحر.

ومن هنا، ينبغي أن ينتقل القانون من كونه «أداة تنظيم اجتماعي» إلى كونه ضميراً حضارياً. وهذا يعني الاعتراف بأن مصادر الالتزام لم تعد محصورة في العقد والقانون والإرادة المنفردة والإثراء بلا سبب والفعل الضار، بل قد يصبح الحكم القضائي — في بعض المسائل — مصدراً مستقلاً لالتزامات جديدة، كما أشرنا في دراسات سابقة حول الالتزام القضائي. كذلك، يجب أن يُعترف للقرار الإداري بدور أكبر في خلق حقوق في مواجهة السلطة التقنية.

إن جوهر هذا القانون الجديد يكمن في مبدأ الكرامة الوجودية للإنسان. فالإنسان ليس مجرد وحدة اقتصادية أو بيانات رقمية، بل هو غاية في ذاته. ومن ثم، يتعين على القانون أن يحمي «الزمن الإنساني» من الاستغلال، وأن يضع حدوداً صارمة لاستخدام الخوارزميات في اتخاذ القرارات التي تمس الحريات الأساسية. كما يجب أن يعالج مسألة حقوق الوعي الاصطناعي بمنهجية فلسفية-قانونية دقيقة، لا بانفعال أو تهويل.

وفي هذا السياق، تصبح شرعية الدولة ذاتها مشروطة بمدى احترامها لهذه الكرامة. فإذا تحول القانون إلى أداة للسيطرة الشاملة أو التمييز الخوارزمي، فإن الإنسان الواعي يحتفظ بحقه في الدفاع عن مبادئ العدالة الأسمى، حتى لو اقتضى الأمر مراجعة النظام القانوني القائم.

إن تحقيق هذه الرؤية يتطلب إصلاحاً جذرياً في التعليم القانوني، بحيث تُصبح فلسفة القانون ليست مقدمة شكلية، بل جوهر التكوين العلمي للقانوني. كما يتطلب قضاة يجمعون بين العلم الدقيق والذوق القانوني المرهف، كما أكدنا مراراً في دراساتنا حول النظرية العامة للقانون.

في الختام، إن القانون الإنساني الجديد ليس رفضاً للتراث القانوني، بل تطويراً له يلائم عصرنا. إنه يؤكد على أن القانون في جوهره ليس مجرد نظام قواعد، بل هو تعبير عن قيم إنسانية عليا يجب أن تظل مهيمنة على كل تقدم تقني أو سياسي.


مشاهدات 37
الكاتب أحمد فاتح محمد
أضيف 2026/07/13 - 3:03 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 2:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 193 الشهر 14164 الكلي 15919291
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير