الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الزيدي في واشنطن.. رهان الإستثمار مقابل السلاح

بواسطة azzaman

 

الزيدي في واشنطن.. رهان الإستثمار مقابل السلاح

رشيد العجيل

 

تُشكّل زيارة رئيس الوزراء العراقي السيد علي الزيدي إلى واشنطن وما رافقها من توقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في قطاعات النفط والطاقة والتسليح والتعليم والصحة لحظة مفصلية يصعب اختزالها في احتفالية دبلوماسية عابرة. فالأرقام المتداولة – سواء تحدثت عن 48 اتفاقية أو عن حزمة صفقات تجارية تُقدَّر بمئات المليارات تكشف عن تحوّل في فلسفة العلاقة الأميركية-العراقية ذاتها: من علاقة قائمة على الوجود العسكري والحسابات الأمنية بعد عام 2003  إلى علاقة تُبنى كما تُصرّ واشنطن على الشراكة الاقتصادية والاستثمار المشترك.

لكن هذا التحول مهما بدا مغرياً على الورق مشروط بثمن سياسي باهظ وهو نزع سلاح الفصائل المسلحة “من دون استثناء” وإخراج قادتها من دائرة القرار الأمني والعسكري، وإتمام دمج فصائل الحشد الشعبي داخل مؤسسات الدولة الرسمية بعد إبعاد القيادات المرتبطة بها. هذه ليست مجرد بنود تقنية في اتفاقية بل إعادة رسم لخريطة توازن القوى الداخلي في العراق وهي معادلة لطالما تعثرت فيها الحكومات العراقية المتعاقبة بغض النظر عن المصداقية أمام واقع أن الفصائل ليست مجرد لاعب أمني هامشي بل شريك أساسي في المعادلة البرلمانية والسياسية التي أوصلت الزيدي نفسه إلى السلطة.

هنا يكمن جوهر الإشكالية : هل تنفيذ الزيدي لهذه التعهدات وما يرافقها من حملة كشف مافيات الفساد واستعادة المليارات المسروقة ممكن فعلاً أم أن الاتفاقيات ستبقى حبراً على ورق طالما بقيت بنية الفساد وداعموها في البرلمان قادرين على تعطيل أي مسار جدي لمحاربة الفساد أو حصر السلاح بيد الدولة ؟ فالمبعوث الأميركي توم باراك أبلغ الجانب العراقي بوضوح أن الدعم الأميركي – السياسي والأمني والاقتصادي – مرتبط عضوياً بخطوات ملموسة، لا بوعود. وقد حُدد شهر أيلول 2026 موعداً للبدء الفعلي بتنفيذ خطة حصر السلاح وهو موعد سيكون اختباراً حقيقياً لجدية بغداد وقدرتها الفعلية لا لنواياها فقط.

هل يمكن “نسيان الماضي وغدر الإدارات السابقة؟ وهو سؤال مشروع لكنه يفتح باباً لنقاش أعمق وتساؤلات لكن العلاقات بين الدول كما تُظهر تجارب كثيرة لا تُبنى على الثقة المطلقة ولا على القطيعة الدائمة بل على مصالح متبادلة قابلة للتحقق والمساءلة.

أن المصداقية الأميركية في هذا الملف ستُقاس عملياً بمدى التزامها بتنفيذ الاستثمارات فور تحقق الشروط لا بالخطابات وحدها. وفي المقابل فإن مصداقية الزيدي ستُقاس بقدرته أو بالأحرى بعدم قدرته على تجاوز الفصائل التي شكّلت جزءاً من الأغلبية البرلمانية التي أوصلته إلى منصبه.

أما فكرة “إزاحة رؤساء الفصائل” من اللعبة الأمنية والسياسية كما يعمل عليها السيد باراك فهذا ليس قراراً إدارياً بسيطاً يمكن لرئيس وزراء اتخاذه بمعزل عن موازين القوى الداخلية فالفصائل ليست كتلة صماء بلا نفوذ اجتماعي واقتصادي وشعبي في مناطق واسعة من العراق وأي محاولة لإخراجها “بالانقلاب على الرؤية” قد تصطدم بمقاومة سياسية وربما أمنية حقيقية لا سيما إذا شعرت هذه الفصائل أن وجودها ذاته مهدد لا مجرد نفوذها السياسي. النموذج الأنسب تاريخياً في حالات مشابهة كان دمجاً تدريجياً مشروطاً بحوافز اقتصادية واجتماعية لا إقصاءً حاداً قد يُنتج ردة فعل معاكسة.في المحصلة، زيارة الزيدي تحمل فرصة اقتصادية نادرة لعراق يحتاج فعلاً إلى استثمارات ضخمة في الطاقة والبنية التحتية. لكن نجاحها الحقيقي لن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة بل بما إذا كان الزيدي يملك فعلاً الأدوات السياسية والدستورية لتحويل هذه الأوراق إلى واقع دون أن يدفع العراق ثمناً باهظاً على صعيد الاستقرار الداخلي. والأشهر المقبلة وتحديداً موعد الشهر التاسع المحدد لبدء حصر السلاح ستكون المحك الحقيقي الذي يفصل بين “الانقلاب في الرؤيا” وبين مجرد إعادة تدوير لوعود سبق أن قُطعت ولم تُنفذ.


مشاهدات 165
الكاتب رشيد العجيل
أضيف 2026/07/19 - 3:52 PM
آخر تحديث 2026/07/20 - 7:06 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 869 الشهر 21726 الكلي 15926853
الوقت الآن
الإثنين 2026/7/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير