الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شيء واحد لم تمسسه السنوات.. رواية قصة حب لإمرأة مسفرة


شيء واحد لم تمسسه السنوات.. رواية قصة حب لإمرأة مسفرة

جمعة الدراجي

 

 لا غَرابَةَ أَنْ يَكونَ لِلإِنْسانِ مَهَاراتٌ أُخْرى غَيْرُ الَّتي عُرِفَ بِها السَّيِّدُ مِزْهَرُ الهاشِمِيُّ التَّرْبَوِيَّةُ وَالمُجْتَمَعِيَّةُ، مُتَعَدِّدُ المَواهِبِ، لم يأت الفعل الدرامي لديه بالتأملات بل جاءت روايته مشحونة المَهَاراتٌ المتعددة لتُؤَطِّرُها ذائِقَةٌ تَحْمِلُ دَلالاتٍ حِسِّيَّةً مُرْهَفَةً، عَبْرَ مَتاهاتِ الاضْطِهادِ الفِكْرِيِّ الَّذي تَعَرَّضَتْ لَهُ المَيادينُ الإبْداعِيَّةُ في بِلادِنا عَبْرَ حِقَبٍ زَمَنِيَّةٍ مُتَعَرِّجَةٍ، لِيَحْدُثَ التَّداخُلُ بَيْنَ طَبيعَةِ العَلاقَةِ الَّتي يَقومُ عَلَيْها العَمَلُ الأَدَبِيُّ، وَالمَنْهَجِ الإبداعي الانساني     الذي نَحْنُ بِحاجَةٍ إِلى الكَشْفِ عَنْهُ في العُلومِ الإِنْسانِيَّةِ

(Sciences Humaines).

وَلا أُفاجَأُ حينَما أَلْتَمِسُ هَذا الثَّراءَ الفِكْرِيَّ الَّذي يَبْسُطُ أَضْواءَهُ لأَبْعَدِ قَرْيَةٍ نائِيَةٍ في المَشْهَدِ الثَّقافِيِّ المَيْسانِيِّ، رُبَّما لِتَجْرِبَةٍ ذاتِيَّةٍ لعْشَقُ التَّرْحالَ في هَذِهِ البِيئاتِ الَّتي تَمَيَّزَتْ بِطُقوسِها القُدْسِيَّةِ، وَالكَشْفِ لِكُلِّ مُبْدِعٍ بِإِمْكانِهِ الِاغْتِرافُ مِنْ هَذِهِ المَناهِلِ لِمُخْتَلِفِ الفُنونِ الإبْداعِيَّةِ، وَيَحْبِكُ صُنْعَها كَتَماثيلَ رافِدَيْنِيَّةٍ كَالجُمَلِ الرَّشيقَةِ المُكَثَّفَةِ لِتَوْشيمِ نُصوصٍ غارِقَةٍ بِالحُبِّ وَالجَمالِ وَالحُضورِ الوِجْدانِيِّ، تِلْكَ الوِجْدانِيَّةِ الَّتي عُرِفَ بِها، لَيْسَ مِنْ خِلالِ النَّصِّ وَحْدَهُ بِقَدْرِ ما هِيَ مُتَلازِمَةٌ جُبِلَ عَلَيْها مُنْذُ أَنْ عَرَفْتُهُ عَنْ قُرْبٍ مُنْذُ عَقْدَيْنِ مِنَ الزَّمَنِ. الإِغْراقُ في الِاطِّلاعِ عَلى هَذا النَّصِّ الرِّوائِيِّ يُحيلُني المُتَخَيَّلُ اللامرئي إِلى تَكْمِلَةِ حِواراتٍ حَكواتِيَّةٍ مُشَوِّقَةٍ سَبَقَ وَأَنْ سَمِعْتُها عَنْ قُرْبٍ اثناء إنعقاد المهرجان التأسيسي للكميت عام 2006 ومهرجان المسرح الجنوبي للجمعية الثقافية الذي عملنا معه سيوية وكان رائدا في كل شيء رغم معوقات الزمكان في ابعاده المقلقة ،جراء التحولات السياسية والفكرية وفنتازيا التيارات المؤدلجة،فكان ذلك المهرجان تظاهرة فنية لم يحدث لها مثيل في العراق منذ عام 2009 بحضور فرق فنية ل 13 محافظة وخمسة اكاديميات متخصصة في المسرح وبحضور أعمدة المسرح العراقي وجيش من الفنانين والفنين واعداد غفيرة من الجمهور ومختلف الطاقات الإبداعية ،وحينما اسجل ملاحظاتي عن رواية ( شيء واحد لم تمسسه السنوات ) التي صدرت في بغداد عن دار الوراشة للنشر 2026 للسيد مزهر الهاشمي لا أجده يبتعد كثيرا عن عالم المسرح فَلا توجَدُ حُدودٌ فاصِلَةٌ بَيْنَ ما هُوَ شِفاهِيٌّ اكْتَنَزَتْهُ ذاكِرَتي مِنْ خشبة المسرح عند خروج الممثل الفراتي عن النص في مسرحية ( البز) إذ كانت الوفود المسرحية قد تناولوا الغذاء خبز الطابق والسمك عند احد مضايف قبيلة السواعد في منطقة الحلفاية قرب هور السناف وفي رحلة امتزج بها الواقع بالخيال إذ دفر احدهم الوحل وتورى بين غابات البردي ليأتي موال جنوبي يشق عباب الهور لتتواصل الرحلة الخرافية بباصات التربية ورافقني في الرحلة التاريخية بسيارتي المرحوم الدكتور فاضل خليل مع ولده حيدر والدكتور جبار محيبس ليجد ضالته في مسرح الهور والفضاءات البعيدة عن ما يسميه مسرح العلبة والدكتور كريم عبود والدكتور محمد حسين حبيب والعودة مباشرة الى قاعة النشاط المدرسي للجلسة المسائية لترفع الستارة بعرض مسرحية البز والأجواء يملئها عبق السمك المشوي وصوت الممثل يحاكي الحدث الدرامي ( مَنْ أكل السمكة) ؟ فخضعت القاعة كلها تحت طائلة الأتهام ، بينما صَديقي الكاتِبِ َبَيْنَ لنا جملة اتهامات في النص الروائي لإدانة السلطات في ذلك الزمن بقتل الامنيات والحب، بتهجير شرائح محددة من المجتمع العراقي نَصٍّ يَحْمِلُ دَلالاتٍ مُنْتَخَبَةً ذاتَ وَعْيٍ عَقْلانِيٍّ مُتَّقِدٍ بِوُضوحِ الرُّؤْيَةِ وَمُتَوَهِّجِ الصُّوَرِ، وَما بَيْنَ المسرح والنص الروائي جملة مُقارَباتٌ كَالخَطِّ الفاصِلِ الَّذي رَسَمَهُ مَلِكُ الحَبَشَةِ بَيْنَ الدِّياناتِ السَّماوِيَّةِ. لَعَلَّ المُثيرَ لِلِاهْتِمامِ إِنَّنا أَمامَ تَجْرِبَةٍ لَمْ تَذْهَبْ بَعيداً عَنْ مَوْروثِ البِيئَةِ المَيْسانِيَّةِ المُشْبَعَةِ بِالفَضاءاتِ الثَّقافِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّةِ الإبْداعِية الخِصْبَةِ بِالتَّجارِبِ المُتَعَدِّدَةِ، ولِيَسْمَحْ لي المُحْتَفى بِمَنْجَزِهِ الرُّجوعُ إِلى قَرْيَةِ الجندالة المُثيرةٌ ، لِلدَّهْشَةِ؛ تلك القَرْيَةُ النّائِيَةُ الَّتي أَنْجَبَتْ مَنْ أَبْدَعَ رِوايَتَيْ (ضَياعُ بِنْتِ البَرّاقِ) و(أُمُّ إِيشينَ) لِلطَّبيبِ العِراقِيِّ المَعْروفِ السَّيِّدِ جاسِمِ الهاشِمِيِّ لتجمعهما بيئة الجندالة أكثر من صلة القرابة لَيْسَ تَطابُقَ تَناصٍّ بِالقَدْرِ الرَّمْزِيِّ لِلْجَنْدالَةِ وَالنَّأْيِ بِها مِنَ المَحَلِّيَّةِ الغارِقَةِ بِالِانْدِثارِ الجَنوبِيِّ العَمْدِيِّ لِلِاضْطِهاداتِ الفِكْرِيَّةِ المُتَعاقِبَةِ والإنطلاق نَحْوَ آفاقِ العالَمِيَّةِ لَوْ أُحيلَتْ مَواهِبُ مُبْدِعيها إِلى الأَلْسُنَةِ العالَمِيَّةِ وَهِيَ مُتاحَةٌ في الزَّمَنِ الرَّقْمِيِّ.

والمعروف عن مكونات القرى النائية الميسانية اكاد اجزم على غرائبية النسق الثقافي الفسيفسائي والنقوش الزرقاء السومرية المخطوطة على الحيطان الطينية وصور اللوحات الفنية لكبار الرسامين العالمين تجدها معلقة على شِبًاب المضايف والاهتمام بصور الجمال كصورة بنت المعيدي الجندالة تجمع سكاني ذي صلات رحمية عم وخال وابن أخته ولكنها قرية تضج بالتيارات الفكرية فيهم ما هو شاعر وحكواتي ( مسولفجي الديوان) وفيهم الريزخون المعمم والطالب الحوزوي والاكاديمي وبيت ( العلام ) جمع عالم في هذه القرية تحتدم النقاشات الفكرية في المضايف والجلسات عند كسر الفي العصرونية تستعرض المدارس النقدية والفلسفية ، قوميون ليبراليون ماركسيون مغنون كشاخون البشوت والثياب الناصعة البياض الكويتية ولصوص اومتابعي الضايعة مقابل الحلاوة قرية الجندالة نوقشت فيها قصة الحضارة ومجريات الثورة الفرنسية وحرب داحس والغبراء ومعاهدة مالطة عقب الحرب العالمية الثانية ، وفيهم من يشبه الشيخ مجيد الخليفة بتشرشل من ناحيتي البدانة والدهاء .

وَلَعَلَّنا لا نَبْعُدُ عَنِ الصَّوابِ إِذا ما قُلْنا إِنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ هِيَ من مخرجات بيئة الجندالة التي كانت والدة الكاتب من سيدات مجتمع القرية التي يشارلها بالكرم الهاشمي ، ومن هنا كانت صنعة الرواية لدى الكاتب كتَجْسيدٌ لِمَزايا إِنْسانِيَّةٍ وَتَجْرِبَةٌ لِلِاشْتِغالِ عَلى مُعاناةٍ تَراجيدِيَّا طالَتْ شَريحَةً مُجْتَمَعِيَّةً لَمْ يَسْبِقْ لي أَنْ أَطَّلِعَ عَلى مَنْ عالَجَ مَوْضوع إقصاء شريحة المسفرين وتهجيرهم بِنَصٍّ رِوائِيٍّ: -عَلى حَدِّ عِلْمي- بقدر مذكرات شخصية سمعناها هنا وهناك أَي شَريحَةِ مُجْتَمَعٍ أُقْتُلِعوا مِنْ جُذورِهِمْ لَوْلا رَمْزِيَّةُ الشَّجَرَةِ الَّتي بَقِيَتْ صامِدَةً تَحْمِلُ رِسالاتِ الحُبِّ وَالبَقاءِ، المُسَفَّرونَ الَّذينَ غابَتْ بَعْدَهُمْ مَوائِدُ النُّذورِ وَثَواباتُ الأَوْلِياءِ، الَّذينَ غُيِّبوا في غَيابَةِ الجُبِّ الحُدودِيِّ، وَتَلَقَّفَهُم بَعْضُ السَّيّارَةِ لِمُدَّةِ خَمْسٍ وَثَلاثينَ سَنَةً تَماماً بِقَدْرِ سِنينَ يُوسُفَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ طَوالَ غَيْبَتِهِمْ أَيُّ كاتِبٍ بِبِنْتِ شَفَةٍ سِوى بَعْضٍ مِنْ بَناتِهِمُ الّلائي استثنتهن الصدفة وحدها لتواجدهن في يبوت ازواجهنً من غير هذه الشريحة ليَجَدْنَ مُتَنَفَّساً لِلْبُكاءِ في سُرادِقِ المَآتِمِ، وَانْدَرَسَتْ ذِكْراهُم كَانْدِراسِ بُيوتِهِمْ وَذِكْرَياتِهِمْ وَضَياعِ مُمْتَلَكاتِهِمْ. وَما أَرَّقَني التَوَسَّطْ لِاسْتِرْجاعِ أَعْدادٍ كَثيرَةٍ مِنْ مَفْقوداتِهِم مِنَ الكُتُبِ الَّتي أَخْبَرَوهُم الجيرانُ بِأَنَّها كانَتْ وَقوداً لِلتَّنّورِ خَشْيَةَ بَطْشِ السُّلْطَةِ انذاك ....

إلْتِفاتَةٌ حاذِقَةٌ لِاخْتِيارِ أَحْداثٍ لَمْ تُلِمَّها زَوايا الإِبْداعِ الأخرى

التَفاصيلَ المريرة وَالإنتهاكات الجُرْمِيَّةَ الَّتي تَعَرَّضَتْ لَها تلك الشَريحَةٌ الأَصيلَةٌ، جَسَّدَتِ الأَصالةُ في هَذا النَّصِّ الرِّوائِيِّ الإِبْداعِيِّ الَّذي جاءَ بِعُنْوانٍ مُثيرٍ لِلِاهْتِمامِ يَحْمِلُ خِطاباً اشْتَمَلَ تَفاصيلَ صَغيرَةً ذاتَ مَعانٍ كَبيرَةٍ، مِثْلَ: وَالنَّصُّ يَتَحَدَّثُ عَنِ المَرْأَةِ الرّيفِيَّةِ...

(حَتّى تِلْكَ التَّفاصيلُ الصَّغيرَةُ أَصْبَحَتْ في الغُرْبَةِ وَطَناً كامِلاً)....

وَأَخيراً بَقِيَتْ أَشْياءُ أُخْرى لَمْ تَمْسَسْها كِتاباتُ السَّيِّدِ مِزْهَرَ الهاشِمِيِّ رُبَّما في

لاحِقِ الأَيّامِ تَرى النّورَ، فهو باذخ العطاء في الإبداع ..

حْامِلُ روحَ الدُّعابَةِ السّاخِرَةِ وَتوظيف فَنَّ الدَّراما المُحْرِجَةِ لإحياء الروح الإنسانية وإنتشال ما دثره غبار الزمن وما لم تمسسه السنوات .

 

 

كاتب وباحث أكاديمي


مشاهدات 31
الكاتب جمعة الدراجي
أضيف 2026/07/18 - 12:49 AM
آخر تحديث 2026/07/18 - 1:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 113 الشهر 18651 الكلي 15923778
الوقت الآن
السبت 2026/7/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير