الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أين الشعب؟

بواسطة azzaman

أين الشعب؟

شوقي كريم حسن

 

منذ صباي وأنا أعرف أن هناك دولة، ودستورًا، وقوانين، وحكومات، وأحزابًا، ولجانًا، وهيئاتٍ لا تُحصى. وأعرف أيضًا أن موسم الفرهود عندنا ليس مناسبة عابرة، بل يكاد يكون أحد ثوابت التقويم السياسي منذ التغيير وحتى اليوم.لكن أكثر ما يحرق الأعصاب ليس الدولة ولا السياسيين؛ فهؤلاء، على الأقل، يفعلون ما اعتادوا عليه. السؤال الذي يطاردني دائمًا هو:

أين الشعب؟

كيف يمكن لإنسان تُثقل كاهله الضرائب والبطالة والفساد وسوء الخدمات، ثم يستيقظ في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يكن؟ كيف تتحول الصدمة إلى عادة، والحقوق إلى أمنيات، والكرامة إلى بند مؤجل إلى إشعار آخر؟

يبدو أننا اخترعنا نوعًا جديدًا من الصبر؛ صبرًا لا يُغيّر شيئًا، إنما يمنح الفاسد إجازة مفتوحة ليستمر، ويقنع الضحية بأن الاعتراض مضيعة للوقت.

في بلدان أخرى، ترتفع الأسعار بضعة في المئة، فتضيق الشوارع بالمتظاهرين. أما عندنا، فتضيق الشوارع بالحفر، وتمتلئ مواقع التواصل بالشكوى، ثم ينتهي كل شيء عند زر الإعجاب.لسنا بحاجة إلى معجزة، إنما إلى لحظة يقتنع فيها المواطن أن صوته ليس زينةً انتخابية، وأن الصمت ليس فضيلة عندما يصبح غطاءً للفساد.ويبقى السؤال معلقًا

إذا كان الجميع يشكو، فمن الذي منح الفساد كل هذا العمر؟

وإذا  الجميع غاضبًا، فأين يختفي هذا الغضب عندما يحين وقت الفعل؟

ثم يخرج عليك من يقول: —اصبروا… الأمور تتحسن.

نسأل: —متى؟

يجيبك بثقة: —قريبًا.

هذا “القريبًا” أصبح أقدم من كثير من السياسيين، وربما  المشروع الوحيد الذي تعاقبت عليه جميع الحكومات دون أن يكتمل.المشكلة ليست في الفاسد؛ فمن الطبيعي أن يتمسك الفاسد بمكاسبه. وليست في اللص؛ فمن طبيعة اللص أن يسرق إذا وجد الباب مفتوحًا. المشكلة الحقيقية حين يتحول الشعب إلى حارسٍ لذلك الباب، ويغضب ممن يحاول إغلاقه!

صرنا نختلف على الطائفة، والعشيرة، والحزب، والمنطقة، بينما يتفق علينا الجميع. نتشاجر على الفتات، وغيرنا يغادر بالمائدة كلها.والأغرب من ذلك أن بعض الناس لا يكتفي بالصمت، بل يتطوع للدفاع عن كل فشل، ويعتبر كل نقد خيانة، وكل مطالبة بالحقوق مؤامرة، وكأن الوطن شركة خاصة، والمواطن مجرد موظف لا يحق له السؤال.إن الشعوب لا تُقاس بعدد سكانها، إنما بقدرتها على أن تقول: —كفى!. أما حين تصبح كلمة “كفى” أصعب من تحمل الظلم ، اعلم أن الأزمة لم تعد أزمة حكومة ، بل أزمة وعي واستسلام.ويبقى السؤال الذي لم أجد له جوابًا منذ سنوات:

أين الشعب..أين ذلك الشعب الذي يُفترض أن يكون مصدر السلطات؟

أم أننا اكتفينا بأن نكون مصدر الأصوات… مرة كل أربع سنوات، ثم نعود إلى مقاعد المتفرجين حتى يبدأ الموسم التالي من الوعود؟

لا أسأل: أين الدولة؟ ولا أين الحكومة؟ ولا أين الأحزاب؟ فالجميع معروف، والجميع يؤدي دوره كما اعتاد.

لكن السؤال الذي يؤرقني حقًا هو:

أين الشعب؟

فلا وطن يُسرق إلا إذا اعتاد أهله على السرقة، ولا فساد يعمّر كل هذه السنين إلا إذا وجد صمتًا يحرسه، ولا حقوق تضيع إلا عندما يقتنع أصحابها أن المطالبة بها لن تُجدي.لعل أخطر ما يصيب الأوطان ليس ظلم الحكام،أنما اعتياد الشعوب على الظلم حتى يصبح جزءًا من الحياة اليومية.عندما يصبح السكوت ثقافة، والخوف حكمة، واللامبالاة أسلوب عيش… فلا تسأل بعدها:— لماذا وصلنا إلى هنا؟

بل اسأل السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح:—أين الشعب؟

قالها الشابي الذي غادر مبكراً..اذا الشعب يوماً اراد الحياة، فلابد أن يستجيب القدر؟

فمتى يستجيب الشعب لقدره؟!

 


مشاهدات 51
الكاتب شوقي كريم حسن
أضيف 2026/07/14 - 4:05 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 11:42 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1162 الشهر 15133 الكلي 15920260
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير