الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
البطولات تصنع قبْل صافرة البداية

بواسطة azzaman

البطولات تصنع قبْل صافرة البداية

محمد خضير الانباري

 

يقولُ المثلُ العربي: « أعطِ الخبز لخبازه، ولوْ أكلا نصفه. « وهوَ مثل يختزلُ حقيقةً لا يختلفُ عليها اثنان، وهيَ أنَ الإتقانَ لا يعرفُ المجاملة، وأنَ النجاحَ يبدأُ عندما يوضعُ الشخص المناسب في المكانِ المناسب. ولعلَ كرةَ القدمِ تقدمُ اليومَ أوضحَ الأمثلةِ على هذهِ الحكمة، معَ كلِ نسخةٍ منْ كأسِ العالم، تتهاوى التوقعاتُ التي تبنى على حجمِ الثروةِ أوْ عددِ السكانِ أوْ شهرةْ المنتخبات، ويبقى في النهايةِ منْ أحسنِ الإعداد، وأتقنَ التخطيط، واحترمَ قوانينَ النجاحِ قبلَ قوانينَ اللعبة.

لقدْ ودعتْ منتخباتُ عريقةٌ المنافسةِ رغمَ ما تمتلكهُ منْ إمكاناتٍ ماليةٍ هائلة، وجماهير بالملايين، وتاريخٍ حافلٍ بالإنجازات، وفي المقابل، شقتْ منتخباتٌ أخرى طريقها بثبات، ليسَ لأنها الأغنى أوْ الأكبر، وإنما لأنها بنتْ مشروعا رياضيا متكاملا، قائما على التخطيطِ بعيدِ المدى، والاستثمارِ في الإنسانِ قبلَ الاستثمارِ في الحجر، لعلَ التجربةَ الكرويةَ في دولٍ مثلَ اليابانِ والمغربِ ومصر، إلى جانبِ التطورِ اللافتِ في النرويج، تؤكدُ أنَ النجاحَ لا تصنعهُ الجغرافيا، ولا المناخ، وإنما تصنعهُ الرؤيةُ الواضحةُ والإدارةُ الكفؤة.

فهذهِ الدولُ لمْ تنتظرْ المعجزات، بلْ استثمرت في المدارس، والأكاديميات، وتأهيل المدربين، واكتشاف المواهبِ منذُ الصغر، حتى أصبحتْ منافسا يحظى بالاحترامِ على الساحةِ الدولية. إنَ المنتخباتِ الكبيرةَ لا تبنى في تسعينَ دقيقة، بلْ تصنعُ عبرَ سنواتٍ منْ العملِ الهادئ، حيثُ تبدأُ منْ المدرسة، وتمتدُ إلى الأكاديميات، ثمَ إلى الأنديةِ والمنتخباتِ الوطنية، مرورا بالتغذيةِ السليمة، واللياقةِ البدنية، والإعدادِ النفسي، والطبِ الرياضي، وتحليلِ البيانات، والاستفادةِ منْ أحدثَ ما توصلَ إليهِ العلمُ في تطويرِ الأداء.

في المقابل، أخطأتْ بعض الدول، عندما اعتقدتْ أنَ استقدامَ مدربٍ عالمي، أوْ تجنيسَ عددٍ منْ اللاعبين، أوْ تشييد ملاعبَ حديثة، كفيلاً بصناعةِ الإنجاز، فهذهِ عناصر مساعدة، لكنها لا تعوضُ غياب المشروع، فالمالُ قدْ يفتحُ الأبواب، لكنهُ لا يخلقُ الموهبة، ولا يغرسُ الانضباط، ولا يصنعُ روحَ الفريق.

منْ النماذجِ اللافتةِ أيضا التجربة الفرنسية، التي نجحتْ في تحويلِ تنوعِ مجتمعها إلى مصدرِ قوة، فجمعتْ تحتَ رايةِ وطنٍ واحدٍ مواهب متعددةْ الأصولِ والثقافات، وكانَ معيارُ الاختيارِ هوَ الكفاءةَ والانتماءَ والمسؤولية، لا اللون، ولا العرق، ولا الخلفية الاجتماعية، وهكذا أصبحَ القميصُ الوطنيُ هوَ الهويةَ الجامعةَ التي تتقدمُ على كلِ الانتماءاتِ الأخرى.

لهذا، فإنَ تقييمَ نجاحِ كرةِ القدمِ لا ينبغي أنْ يختزلَ في عددِ السكان،- كما هوَ الحال- في الصين، ولا في قوةِ الاقتصاد، كما في الولاياتِ المتحدة، ولا في الشعبيةِ الجارفة، كما في البرازيل، ولا حتى في التاريخِ العريقِ للبطولات، فكلها عوامل قدْ تساعد، لكنها لا تصنعُ النجاحَ وحدها.

إنَ النجاحَ الرياضي، يولدُ منْ رؤيةٍ بعيدة، وإدارةٍ واعية، وصبرٍ طويل، وعلم متجدد، ومدارس كروية رصينة، ومدربينَ أكفاء، ولاعبينَ تربوا على الانضباطِ قبلَ المهارة، وعلى الفكرِ قبلَ الركض، وعلى العملِ الجماعيِ قبلَ البحثِ عنْ المجدِ الفردي. لهذا تبقى كرةُ القدمِ أكثر الرياضاتِ إثارة؛ فهيَ قادرة في تسعينَ دقيقةً على أنَ تقلبَ كلِ الحسابات، وأنْ تمنحَ الأملَ لمنتخبٍ صغير، وأنْ تسقطَ كبرياء منتخبا كبيرا، قدْ يفوزُ فريقٌ لا يملكُ أغلى اللاعبين، ويغادرُ آخرُ أنفقَ المليارات، لأنَ كرةَ القدمِ لا تعترفُ بالأسماء، وإنما تعترفُ بمنْ يستحقُ في تلكَ اللحظة.

وربما لهذا السببِ، أصبحتْ اللعبة الشعبية الأولى في العالم؛ فهيَ ليستْ مجرد منافسةٍ على لقب، بلْ حكايةٍ إنسانيةٍ تتجددُ في كلِ مباراة، عنوانها الطموح، وفصولها العمل، ونهايتها يكتبها منْ استعدَ جيدا، وأتقنَ صنعته، وآمنَ بأنَ الإنجازَ لا يولدُ بالمصادفة.

وهكذا تعودُ الحكمةُ العربيةُ القديمة، لتؤكدَ حضورها في عالمِ الرياضةِ كما في سائرِ ميادينِ الحياة: أعطِ الخبز لخبازه. . .

 وأعطِ كرةَ القدمِ لأهلها، فالبطولاتُ لا تصنعُ بالصدفة، وإنما تصنعُ قبلَ صافرةِ البداية.


مشاهدات 18
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/07/13 - 2:38 PM
آخر تحديث 2026/07/14 - 2:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 193 الشهر 14164 الكلي 15919291
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير