حسن النواب
عندما وصلني نبأ وفاة أختي المباغت، لم أفق من الصدمة إلاَّ على سرير المشفى، أخبرني الطبيب بتعرضي لانهيار عصبي ونصحني بمراجعة عيادة نفسية بأقرب وقت، ضاقت بي الدنيا تركت المشفى مخذولاً، من متجر لبيع الخمور اشتريت نبيذاً رخيصاً وعبرت نهر سوان SWAN نحو الضفة الأخرى بواسطة مركب شبه مجاني، ثمن التذكرة أقل من دولار، على مصطبة تحيط بها مروج سندس تمتد على مد البصر كأنها روضة هابطة من الجنة جلستُ أحتسي كؤوس نبيذ أحمر برائحة كريهة محاولاً نسيان نبأ رحيل شقيقتي المفاجئ، تمنيت لو كنت أقف عند قبرها الآن، ولكن من أين أجيء بثمن التذكرة؟ قرّعت نفسي بقسوة، كأني جثة متفسخة تنهش بلحمها النتن مستعمرة دود، حفنة قش أغلى مني، حتى شعاع الشمس رأيتهُ مظلماً في حديقة فكتوريا باركVictoria Park، الطقس بمدينة بيرث لا يؤتمن مثل رغباتي ونزواتي، فجأة إدلهم وجه السماء بغيوم أشد ثقلا ًمن كوابيس برأس سجين وانهمر مطرٌ خشنٌ كأنه قنافذ تتساقط على رأسي، لجأت لمظلّة قريبة، غير أنَّ الريح جُنّتْ وبدأتْ ترشقني بمطر متوحش، تبللت ثيابي مفتّشاً عن ملاذ آخر يقيني من هذا الغيث، لمحتُ سيدةً تطلُّ من بيتها الأنيق تومئ لي بالقدوم، هرولت حاملاً بيدي ما تبقى من نبيذي نحوها، دعتني أدخل منزلها دون خلع حذائي، كان دفءٌ لذيذٌ يشعُّ من المكان وأصغيتُ لموسيقى أعرفها، قلت مسروراً:
- Rain is crazy with the nutcracker music, what magnificence.
〝 مطر مجنون وموسيقى كسّارة البندق… ما هذه الروعة.
بهجة انتعشت بقلبها حين علمت بضيفها يفهم بالموسيقى، سرعان ما وضعت أمامي كأس نبيذ معتق قالت مفتخرة:
- His age is more than one hundred years.
- عمره أكثر من مئة سنة.
احتراما لإصالة ذلك النبيذ احتسيتُ رشفة منه بمهل، وامتناناً لكرم ضيافتها لصعلوك مثلي حافظت على هدوئي، تشجعت وقرأت أمامها بعض قصائدي، ترجمتها بنفسي للإنكليزية، بدأت السيدة ترقص أمامي بنشوة عارمة غير مصدّقة أني أكتب الشعر، قالت بلسان ثمل:
– Thanks to the rain because he brought you to my house.
– شكرا للمطر لأنه جلبك لمنزلي.
أجبتها وقد سرت نشوة النبيذ بدمي:
-Those who see your eyes glowing with honey are lucky.
- محظوظ من يرى عينيك متوهجة بالعسل.
أخبرتني إنها من أصول يونانية ولما سألتني عن بلدي؟ أجبتها أني من جذور أول دمعة انهمرت على الأرض، لم تفهم مغزى كلامي، وضّحت لها أنَّ بلدي كان يُسمّى أرض السواد لكثافة زرعه ونخيله وأصبح اسمه أرض الدماء الآن. احتضنتني بعنف وانصهرت أنوثتها بفرن جسدي؛ من شدّة سعادتها أخذتها غفوة لذيذة بينما وضعت ملاءة قرمزية على فخذيها المرمريين، بعد مضي ساعة تقريباً فتحت عينيها وسمعتها تقول:
- I do not want this night with you to end.
- لا أريد هذا الليل ينتهي معك.
كانت سيمفونية جايكوفسكي تتسرب لروحينا بمتعة وسحر، متخيّلا ً دمية كسّارة البندق تقاتل جيشاً من الفئران، نهضت تستحم سرعان ما ظهرت بملابس ضيقة ومغرية، دعتني اركب لجوارها بسيارة BMW وانطلقتْ نحو Casino، ضرع السماء توقف عن زخ المطر خلال الطريق. كانت صالة القمار مزدحمة بشتى أجناس البشر، أستراليون، صينيون، فيتناميون، عرب، روسيون ومن بلدان أخرى، صبايا وشبان بملابس أنيقة ينتشرون بين زبائن الصالة لتقديم مشروبات متنوعة، كحول، عصائر، قهوة، نبيذ، تركتها تلعب بدولاراتها Black Jack وانتهزت الفرصة لأطالع صفحات من كتاب شعري كان في جيبي، انتبذت ركناً بحانة مكشوفة أحتسي كأس جعة، بعد نصف ساعة وقفت أمامي كقارورة عطر مهشمة، عرفت من ملامحها أنها خسرت نقودها وشعرت بانكسارها وبثمالتها إذْ طلبت مني قيادة السيارة لمنزلها، لم أبق معها، غادرت ماشياً لشقتي، عندما أطلّ النهار قفزت من فراشي، هرعت لمنزلها لتكرار متعتي، طرقت الباب، رأيتها بوجه شاحب، سألتني مستغربة بصوت متعب:
- Who are you… I do not know you?
- من أنت؛ أنا لا أعرفك؟
ضحكتُ من فرط ذهولي؛ ثم أجبتها ساخراً:
- Sorry madam, maybe I mistook the address, I do not know you too.
- آسف سيدتي ربما أخطأت العنوان، أنا لا أعرفك أيضا. يتبع…