الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬9‭)‬

بواسطة azzaman

تطواف‭ ‬الغريب‭ ‬‭(‬9‭)‬

حسن‭ ‬النواب

 

عندما‭ ‬وصلني‭ ‬نبأ‭ ‬وفاة‭ ‬أختي‭ ‬المباغت،‭ ‬لم‭ ‬أفق‭ ‬من‭ ‬الصدمة‭ ‬إلاَّ‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬المشفى،‭ ‬أخبرني‭ ‬الطبيب‭ ‬بتعرضي‭ ‬لانهيار‭ ‬عصبي‭ ‬ونصحني‭ ‬بمراجعة‭ ‬عيادة‭ ‬نفسية‭ ‬بأقرب‭ ‬وقت،‭ ‬ضاقت‭ ‬بي‭ ‬الدنيا‭ ‬تركت‭ ‬المشفى‭ ‬مخذولاً،‭ ‬من‭ ‬متجر‭ ‬لبيع‭ ‬الخمور‭ ‬اشتريت‭ ‬نبيذاً‭ ‬رخيصاً‭ ‬وعبرت‭ ‬نهر‭ ‬سوان‭ ‬SWAN‭ ‬نحو‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬بواسطة‭ ‬مركب‭ ‬شبه‭ ‬مجاني،‭ ‬ثمن‭ ‬التذكرة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬دولار،‭ ‬على‭ ‬مصطبة‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭ ‬مروج‭ ‬سندس‭ ‬تمتد‭ ‬على‭ ‬مد‭ ‬البصر‭ ‬كأنها‭ ‬روضة‭ ‬هابطة‭ ‬من‭ ‬الجنة‭ ‬جلستُ‭ ‬أحتسي‭ ‬كؤوس‭ ‬نبيذ‭ ‬أحمر‭ ‬برائحة‭ ‬كريهة‭ ‬محاولاً‭ ‬نسيان‭ ‬نبأ‭ ‬رحيل‭ ‬شقيقتي‭ ‬المفاجئ،‭ ‬تمنيت‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬أقف‭ ‬عند‭ ‬قبرها‭ ‬الآن،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أجيء‭ ‬بثمن‭ ‬التذكرة؟‭ ‬قرّعت‭ ‬نفسي‭ ‬بقسوة،‭ ‬كأني‭ ‬جثة‭ ‬متفسخة‭ ‬تنهش‭ ‬بلحمها‭ ‬النتن‭ ‬مستعمرة‭ ‬دود،‭ ‬حفنة‭ ‬قش‭ ‬أغلى‭ ‬مني،‭ ‬حتى‭ ‬شعاع‭ ‬الشمس‭ ‬رأيتهُ‭ ‬مظلماً‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬فكتوريا‭ ‬باركVictoria‭ ‬Park،‭ ‬الطقس‭ ‬بمدينة‭ ‬بيرث‭ ‬لا‭ ‬يؤتمن‭ ‬مثل‭ ‬رغباتي‭ ‬ونزواتي،‭ ‬فجأة‭ ‬إدلهم‭ ‬وجه‭ ‬السماء‭ ‬بغيوم‭ ‬أشد‭ ‬ثقلا‭ ‬ًمن‭ ‬كوابيس‭ ‬برأس‭ ‬سجين‭ ‬وانهمر‭ ‬مطرٌ‭ ‬خشنٌ‭ ‬كأنه‭ ‬قنافذ‭ ‬تتساقط‭ ‬على‭ ‬رأسي،‭ ‬لجأت‭ ‬لمظلّة‭ ‬قريبة،‭ ‬غير‭ ‬أنَّ‭ ‬الريح‭ ‬جُنّتْ‭ ‬وبدأتْ‭ ‬ترشقني‭ ‬بمطر‭ ‬متوحش،‭ ‬تبللت‭ ‬ثيابي‭ ‬مفتّشاً‭ ‬عن‭ ‬ملاذ‭ ‬آخر‭ ‬يقيني‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الغيث،‭ ‬لمحتُ‭ ‬سيدةً‭ ‬تطلُّ‭ ‬من‭ ‬بيتها‭ ‬الأنيق‭ ‬تومئ‭ ‬لي‭ ‬بالقدوم،‭ ‬هرولت‭ ‬حاملاً‭ ‬بيدي‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬نبيذي‭ ‬نحوها،‭ ‬دعتني‭ ‬أدخل‭ ‬منزلها‭ ‬دون‭ ‬خلع‭ ‬حذائي،‭ ‬كان‭ ‬دفءٌ‭ ‬لذيذٌ‭ ‬يشعُّ‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬وأصغيتُ‭ ‬لموسيقى‭ ‬أعرفها،‭ ‬قلت‭ ‬مسروراً‭:‬

‭- ‬Rain‭ ‬is‭ ‬crazy‭ ‬with‭ ‬the‭ ‬nutcracker music‭, ‬what‭ ‬magnificence‭.‬

‭ ‬〝‭ ‬مطر‭ ‬مجنون‭ ‬وموسيقى‭ ‬كسّارة‭ ‬البندق‭… ‬ما‭ ‬هذه‭ ‬الروعة‭. ‬

بهجة‭ ‬انتعشت‭ ‬بقلبها‭ ‬حين‭ ‬علمت‭ ‬بضيفها‭ ‬يفهم‭ ‬بالموسيقى،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬وضعت‭ ‬أمامي‭ ‬كأس‭ ‬نبيذ‭ ‬معتق‭ ‬قالت‭ ‬مفتخرة‭: ‬

‭- ‬His age‭ ‬is‭ ‬more‭ ‬than‭ ‬one‭ ‬hundred‭ ‬years‭.‬

‭-  ‬عمره‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئة‭ ‬سنة‭.‬

‭ ‬احتراما‭ ‬لإصالة‭ ‬ذلك‭ ‬النبيذ‭ ‬احتسيتُ‭ ‬رشفة‭ ‬منه‭ ‬بمهل،‭ ‬وامتناناً‭ ‬لكرم‭ ‬ضيافتها‭ ‬لصعلوك‭ ‬مثلي‭ ‬حافظت‭ ‬على‭ ‬هدوئي،‭ ‬تشجعت‭ ‬وقرأت‭ ‬أمامها‭ ‬بعض‭ ‬قصائدي،‭ ‬ترجمتها‭ ‬بنفسي‭ ‬للإنكليزية،‭ ‬بدأت‭ ‬السيدة‭ ‬ترقص‭ ‬أمامي‭ ‬بنشوة‭ ‬عارمة‭ ‬غير‭ ‬مصدّقة‭ ‬أني‭ ‬أكتب‭ ‬الشعر،‭ ‬قالت‭ ‬بلسان‭ ‬ثمل‭:‬

– Thanks to the rain because he brought you to my house.

‭ – ‬شكرا‭ ‬للمطر‭ ‬لأنه‭ ‬جلبك‭ ‬لمنزلي‭.‬

أجبتها‭ ‬وقد‭ ‬سرت‭ ‬نشوة‭ ‬النبيذ‭ ‬بدمي‭:‬

‭-‬Those who‭ ‬see your eyes glowing with honey are‭ ‬lucky‭.‬

‭-  ‬محظوظ‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬عينيك‭ ‬متوهجة‭ ‬بالعسل‭.‬

‭ ‬أخبرتني‭ ‬إنها‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬يونانية‭ ‬ولما‭ ‬سألتني‭ ‬عن‭ ‬بلدي؟‭ ‬أجبتها‭ ‬أني‭ ‬من‭ ‬جذور‭ ‬أول‭ ‬دمعة‭ ‬انهمرت‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬لم‭ ‬تفهم‭ ‬مغزى‭ ‬كلامي،‭ ‬وضّحت‭ ‬لها‭ ‬أنَّ‭ ‬بلدي‭ ‬كان‭ ‬يُسمّى‭ ‬أرض‭ ‬السواد‭ ‬لكثافة‭ ‬زرعه‭ ‬ونخيله‭ ‬وأصبح‭ ‬اسمه‭ ‬أرض‭ ‬الدماء‭ ‬الآن‭.  ‬احتضنتني‭ ‬بعنف‭ ‬وانصهرت‭ ‬أنوثتها‭ ‬بفرن‭ ‬جسدي؛‭ ‬من‭ ‬شدّة‭ ‬سعادتها‭ ‬أخذتها‭ ‬غفوة‭ ‬لذيذة‭ ‬بينما‭ ‬وضعت‭ ‬ملاءة‭ ‬قرمزية‭ ‬على‭ ‬فخذيها‭ ‬المرمريين،‭ ‬بعد‭ ‬مضي‭ ‬ساعة‭ ‬تقريباً‭ ‬فتحت‭ ‬عينيها‭ ‬وسمعتها‭ ‬تقول‭:‬

‭- ‬I‭ ‬do‭ ‬not‭ ‬want this‭ ‬night‭ ‬with‭ ‬you to end‭.‬

‭- ‬لا‭ ‬أريد‭ ‬هذا‭ ‬الليل‭ ‬ينتهي‭ ‬معك‭.‬

كانت‭ ‬سيمفونية‭ ‬جايكوفسكي‭ ‬تتسرب‭ ‬لروحينا‭ ‬بمتعة‭ ‬وسحر،‭ ‬متخيّلا‭ ‬ً‭ ‬دمية‭ ‬كسّارة‭ ‬البندق‭ ‬تقاتل‭ ‬جيشاً‭ ‬من‭ ‬الفئران،‭ ‬نهضت‭ ‬تستحم‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬ظهرت‭ ‬بملابس‭ ‬ضيقة‭ ‬ومغرية،‭ ‬دعتني‭ ‬اركب‭ ‬لجوارها‭ ‬بسيارة‭ ‬BMW‭ ‬وانطلقتْ‭ ‬نحو‭ ‬Casino،‭ ‬ضرع‭ ‬السماء‭ ‬توقف‭ ‬عن‭ ‬زخ‭ ‬المطر‭ ‬خلال‭ ‬الطريق‭. ‬كانت‭ ‬صالة‭ ‬القمار‭ ‬مزدحمة‭ ‬بشتى‭ ‬أجناس‭ ‬البشر،‭ ‬أستراليون،‭ ‬صينيون،‭ ‬فيتناميون،‭ ‬عرب،‭ ‬روسيون‭ ‬ومن‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى،‭ ‬صبايا‭ ‬وشبان‭  ‬بملابس‭ ‬أنيقة‭ ‬ينتشرون‭ ‬بين‭ ‬زبائن‭ ‬الصالة‭ ‬لتقديم‭ ‬مشروبات‭ ‬متنوعة،‭ ‬كحول،‭ ‬عصائر،‭ ‬قهوة،‭ ‬نبيذ،‭ ‬تركتها‭ ‬تلعب‭ ‬بدولاراتها‭ ‬Black‭ ‬Jack‭ ‬وانتهزت‭ ‬الفرصة‭ ‬لأطالع‭ ‬صفحات‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬شعري‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬جيبي،‭ ‬انتبذت‭ ‬ركناً‭ ‬بحانة‭ ‬مكشوفة‭ ‬أحتسي‭ ‬كأس‭ ‬جعة،‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬وقفت‭ ‬أمامي‭ ‬كقارورة‭ ‬عطر‭ ‬مهشمة،‭ ‬عرفت‭ ‬من‭ ‬ملامحها‭ ‬أنها‭ ‬خسرت‭ ‬نقودها‭ ‬وشعرت‭ ‬بانكسارها‭ ‬وبثمالتها‭ ‬إذْ‭ ‬طلبت‭ ‬مني‭ ‬قيادة‭ ‬السيارة‭ ‬لمنزلها،‭ ‬لم‭ ‬أبق‭ ‬معها،‭ ‬غادرت‭ ‬ماشياً‭ ‬لشقتي،‭ ‬عندما‭ ‬أطلّ‭ ‬النهار‭ ‬قفزت‭ ‬من‭ ‬فراشي،‭ ‬هرعت‭ ‬لمنزلها‭ ‬لتكرار‭ ‬متعتي،‭ ‬طرقت‭ ‬الباب،‭ ‬رأيتها‭ ‬بوجه‭ ‬شاحب،‭ ‬سألتني‭ ‬مستغربة‭ ‬بصوت‭ ‬متعب‭:‬

‭- ‬Who are you…‭ ‬I‭ ‬do‭ ‬not‭ ‬know‭ ‬you?

‭- ‬من‭ ‬أنت؛‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أعرفك؟‭ ‬

ضحكتُ‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬ذهولي؛‭ ‬ثم‭ ‬أجبتها‭ ‬ساخراً‭:‬

‭- ‬Sorry‭ ‬madam, maybe I mistook the address, I do not know you too.

‭- ‬آسف‭ ‬سيدتي‭ ‬ربما‭ ‬أخطأت‭ ‬العنوان،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أعرفك‭ ‬أيضا‭.      ‬يتبع‭…‬

 


مشاهدات 55
الكاتب حسن‭ ‬النواب
أضيف 2026/02/09 - 2:38 PM
آخر تحديث 2026/02/10 - 8:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 277 الشهر 7208 الكلي 13938852
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير