قيس إبراهيم الدوري في ذمة الخلود.. رحيل رائد علم التشريح في العراق
عامر هشام الصفار
نعت الأوساط الطبية والأكاديمية العراقية الأستاذ الدكتور قيس إبراهيم خضر الدوري، أحد أبرز أساتذة علم التشريح في العراق، الذي توفي قبل أيام قلائل عن عمر ناهز 93 عاماً، بعد مسيرة علمية أمتدت لأكثر من ستة عقود، كرّسها لخدمة الطب والتعليم الطبي وإعداد أجيال من الأطباء.
تخرج الفقيد من كلية الطب – جامعة بغداد عام 1958، وفي سنوات ممارسته الأولى للطب في بغداد خلال ستينيات القرن الماضي، آمن بأن نهضة الطب لا تقوم على الممارسة السريرية وحدها، بل تستند إلى علومه الأساسية التي تُعدّ الركيزة الأولى في إعداد الطبيب. لذلك اختار التخصص في علم التشريح، إدراكاً منه للمكانة المحورية التي يحتلها هذا العلم في فهم جسم الإنسان وبناء المعرفة الطبية الرصينة، وأن الطبيب لا يمكن أن يبني معرفة سريرية راسخة من دون فهم عميق لبنية الجسم البشري، حيث يمثل علم التشريح حجر الأساس في التعليم الطبي..
وقد رافق الدكتور الدوري هذا العلم منذ سنوات دراسته الأولى، حتى أصبح واحداً من أبرز أساتذته في العراق. وفي عام 1980 صدر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي كتاب الدكتور قيس الدوري والمعنون ب «علم التشريح» وباللغة العربية. وفي هذا السياق كتب زميله الراحل الدكتور راجي عباس التكريتي في مقدمة كتاب «علم التشريح» ، شهادة تختصر مكانة الفقيد العلمية، فقال:
«فالدكتور قيس إبراهيم خضر الدوري من رجال علم التشريح الذين كان لهم باعٌ طويل في احتواء هذا العلم منذ كان طالباً، فكان لنا مرجعاً مهماً لشرح ما غمض عنا من فهمه وأستقصى توضيحه، ومن ثم تجربته عالماً ومدرساً في كليات الطب لسنوات، بعدها تفرغ لتدريس هذا العلم في مختلف الكليات والمعاهد، وهكذا جاء كتابه علم التشريح معبراً لما حفظه وهضمه عبر سنوات الدراسة والتدريس، ممتزجاً برغبته الصادقة بأهمية التأليف والتدريس بلغته العربية الأصيلة، خدمةً للعلم والمبادئ، ولهذه اللغة الجميلة الخالدة عبر التاريخ.»
ويضيف الدكتور التكريتي : «ولم يكن كتاب «علم التشريح» مجرد مؤلف أكاديمي، بل أصبح مرجعاً مهماً لطلبة كليات الطب، حيث أستند فيه مؤلفه الدكتور الدوري إلى خبرة طويلة في التدريس، وجسّد إيمان مؤلفه بأهمية التأليف باللغة العربية، وترسيخ المصطلح الطبي العربي، وتوفير مصادر علمية رصينة للأجيال الجديدة من الأطباء.»
ومما وثقه القلم الرصين للدكتور قيس الدوري تأليفا في علم التشريح أختار هنا مقتطفات تخص بعض الأعضاء الجسمية والتي فصّل فيها كتاب «علم التشريح» والذي زادت صفحاته على 600 صفحة من الحجم الكبير، وأحتوى العشرات من الرسوم التوضيحية الخاصة بموضوع تشريح جسم الأنسان بأجهزته وأعضائه وأنسجته وخلاياه..
القلب (Heart)
إن القلب هو أهم عضلة في جسم الإنسان، ويتكون من ألياف عضلية خاصة تتفرع وتتفاغر (Anastomoses) مع بعضها البعض بطريقة ينتج عنها أقل تعب لهذه العضلة عند تقلصها لضخ الدم المار في تجويفه المقسم إلى أربعة تجاويف، من وإلى الرئتين ولجميع أنسجة الجسم بدورتين هما الدورة الدموية الرئوية (Pulmonary Circulation) تحمل الدم إلى الرئتين لطرح ثاني أوكسيد الكاربون وأخذ الأوكسجين، والدورة الدموية الجسمية(Systemic Circulation) التي تحمل الدم المحمل بالأوكسجين والمواد الغذائية الأخرى والهرمونات إلى أنسجة الجسم، وإرجاع ثاني أوكسيد الكاربون والفضلات الناتجة من الأنسجة.
أما عن غدة البنكرياس فكتب الفقيد د قيس الدوري:
البنكرياس (Pancreas)
غدة لينة شاحبة صفراء اللون مسطحة طويلة تمتد بصورة مستعرضة تقريباً عبر جدار البطن الخلفي خلف المعدة والقولون المستعرض من الاثني عشر وحتى الطحال، وتقع في القسم الخلفي للمنطقة الشرسوفية ومنطقة المراق اليسرى وتتكون من الأقسام التالية:
1- الرأس: هو القسم المتسع الأيمن من الغدة يشغل فراغ تقعّر الاثني عشر.
2- الجسم: هو القسم الكبير من الغدة يمتد من الرأس إلى اليمين وإلى الأعلى بصورة مائلة ماراً أمام قاطع العمود الفقري والعضلتين الخصرتين اليمنى واليسرى، ويتصل الرأس بالجسم بتخصر بسيط يمثل الرقبة.
3- الذيل: وهو القسم الأيسر الرفيع من الغدة ويقع أسفل الطحال. وللبنكرياس قناة رئيسية تسير على طولها من الذيل وإلى الرأس كما ولها قناة إضافية.
أما عن المخ فيكتب رحمه الله:
المخ (Cerebrum)
يكون القسم الأكبر من الدماغ ويتألف من نصفي كرة يمنى ويسرى تشغل معظم تجويف الجمجمة والحفر الجمجمية الثلاث الأمامية والوسطى ومعظم الحفرة الخلفية.
يتكون كل نصف كرة مخية من الفصوص التالية والتي تقع تحت عظام الجمجمة وهي الفص الجبهي تحت العظم الجبهي، والفص الجداري تحت العظم الجداري، والفص القفوي تحت العظم القفوي، والفص الصدغي تحت وفوق وإلى الناحية الأنسية من العظم الصدغي.
تكون المادة البيضاء (White Matter) الجزء الكبير والمركزي لكل نصف، ويحيط بها من الخارج قشرة رقيقة من المادة السنجابية (Gray Matter) تسمى بالقشرة المخية (Cerebral Cortex).
برحيل الأستاذ الدكتور قيس إبراهيم الدوري، يفقد العراق واحداً من رواد العلوم الطبية الأساسية، وأحد أبرز أساتذة التشريح الذين أسهموا في بناء أجيال من الأطباء، وتركوا إرثاً علمياً سيبقى شاهداً على إخلاصه للعلم والتعليم.
رحمه الله برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وتلامذته وزملاءه ومحبيه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.