لا توجد معركة من دون إستحضارات
فاتح عبدالسلام
سنبقى نحن، السبعة والأربعين، مليون فقير عراقي نطالب بحقوقنا التي سلبها الفاسدون. ليست لنا قضية سواها، فهي قضية جيل دمّروه وجيل مقبل سيولد من دون أمل. من يتعب منّا في هذا المسار الوعر عليه ان يتذكر ان احفاده سيولدون مدينيين من قبل ولادتهم بعشرين سنة، بدل أن يولدوا في بلد نفطي غني له صندوق سيادي للأجيال
هل يمكنك أن تتخيل ماذا يحدث لو انّ الأموال المسروقة دخلت الى خزينة الدولة وتحولت الى محفظة تأمين حياة هذا الجيل. الأموال ليست في حدود ملف او ملفين، هناك ثروات تبددت، تستطيع الدولة بسهولة أن ترصد فاسداً سرق مليار دولار، وفاسدا آخر سرق مليارين، والمجموعة الفلانية دخل في جيوبها وتمتعت عائلاتها المستمرئة المال الحرام، عشرة مليارات في سنتين أو خمس سنوات وهكذا. هذه الأموال المنهوبة تمثل موازنات دول صغيرة.
نأتي هنا الى المصطلح المناسب لوصف محاربة الفاسدين، ونرى ان مفردة معركة مناسبة في المرحلة الحالية، لان هذه المعركة يجب أن تكون ضمن حرب أوسع لاستعادة سيادة الدولة العراقية، فالسيادة ليست فقط مفهوما في الحفاظ على الحدود ووحدة الأراضي من الاختراق والتجاوز، وانما السيادة في الحفاظ الداخلي على البلد من تمزيقه وطعنه بعمليات النهب التي مهدت لها رؤوس كبيرة في السنوات الماضية وسوّقتها من خلال منابر وأساطير وخرافات، وهي عدة الشغل في إضعاف الوطن.
أعود لمصطلح المعركة، وأرى انّ المسألة تتطلب نفس الإجراءات العسكرية في خوض أي جيش معركة معينة. هناك تحديد الهدف والغاية من مهاجمته، مع الاستطلاع العام ثمّ الاستطلاع العميق، مع مقارنة المعلومات وانتخاب الأفضل والأكثر أثراً بينها، وقبل ذلك اعداد القوة المناسبة لمهاجمة الهدف وتحديد الأسلحة المناسبة، مع وضع جميع الاحتمالات في الحفاظ على زخم المعركة حتى انجاز الهدف، من دون التخلي عن التعبئة المعنوية والنفسية للقوات، وابعاد فكرة التراجع والتقهقر عن اذهان الجميع مهما كانت قوة العدو كبيرة.
في معركة الفساد، التراجع يعني نهاية الامل في العراق، ونزع الشرعية عن أي تشكيل حكومي مستقبلا، واحتمال ان تولد تكوينات جديدة لتعرض بدائل قد تكون ذات أثر سلبي وغير محسوب.
هناك مَن يقول انّ وقت التحضير للمعركة لم يكن كافياً، ربما هناك صحة لذلك بالقياس الى عمر هذه الحكومة، لكن للنظام السياسي فإنّ هناك خزيناً من المعلومات والإمكانات غير المستخدمة على مدى عشرين سنة، وحان وقت توظيفها في عملية تطهير البلد.
من المناسب ان يعرض قائد المعركة استعداده ليكون شهيداً لحث الآخرين على قتال الفساد، لكن يجب أن لا تكون هذه الناحية ثغرة توحي بأنّ الفاسدين قادرون على النيل من قائد المعركة.