الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السحر الأسود يخترق مؤسساتنا الحكومية

بواسطة azzaman

السحر الأسود يخترق مؤسساتنا الحكومية

عباس التميمي

 

في الأساطير القديمة كان السحر يُعرَّف بأنه قدرة خفية على التأثير في الناس والأشياء دون أن يلحظوا مصدر ذلك التأثير. أما في بعض مؤسسات عصرنا، فقد ظهر نوع آخر من السحر، لا تُستخدم فيه التعاويذ ولا تُشعل له البخور، بل يُمارس في المكاتب المغلقة، وخلف الأبواب الموصدة، وفي دهاليز الإدارة التي لا يراها إلا أصحاب النفوذ. إنه ما يمكن أن نسميه بـ»السحر الإداري»، ذلك الفن العجيب الذي يجعل الفشل يبدو نجاحاً، ويجعل المتسلق قائداً، ويحول صاحب الإنجاز إلى متهم وصاحب الوشاية إلى مستشار.

فهناك مشهد يتكرر في كثير من المؤسسات، سواء كانت علمية أو خدمية أو إدارية، حتى بات جزءاً من يوميات العمل التي يراها الجميع ويتحدث عنها الجميع، لكن قلّ من يجرؤ على توصيفها كما هي.

مشروع تطويري

فيبدأ الأمر عادةً بشخص لا يلفت الانتباه من حيث الكفاءة أو الإنجاز أو الإنتاجية بل لا يحمل مشروعاً تطويرياً، ولا يملك سجلاً مهنياً استثنائياً، ولا يُعرف عنه تفوق علمي أو إداري يبرر حضوره الطاغي ومع ذلك، وخلال فترة قصيرة بصورة تدعو إلى الاستغراب، يصبح الأقرب إلى المسؤول، والأكثر حضوراً في مكتبه، والأسبق إلى أذنه، والأقدر على التأثير في قراراته ، وفجأة يتحول هذا الشخص من موظف بين الموظفين إلى ما يشبه «العقل الموازي» للمؤسسة ، فلا يصدر قرار إلا بعد أن يمر عبره، ولا تُناقش قضية إلا وكان له فيها رأي، ولا يُقرب موظف أو يُبعد آخر إلا بعد أن يضع بصمته على المشهد.

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

ففي المؤسسات السليمة تصنع الكفاءة النفوذ، أما في المؤسسات المريضة فيصنع النفوذ الكفاءة الوهمية ، وحين تغيب المعايير، يصبح القرب من المسؤول بديلاً عن الإنجاز، ويصبح التملق بديلاً عن الإبداع، وتتحول المكاتب إلى ساحات ولاء شخصي لا إلى ميادين عمل وإنتاج ، والأخطر من ذلك أن هذا النموذج لا يكتفي بالصعود وحده، بل يبدأ بتشكيل عالمه الخاص داخل المؤسسة ، فهو يدرك أن الكفاءة عدو طبيعي له، وأن أصحاب الخبرة يمثلون تهديداً مستمراً لنفوذه، وأن الشخصيات المستقلة قادرة على كشف فراغه المهني والإداري ،  لذلك يبدأ ببناء جدار من الحماية حول نفسه ، فيجمع حوله أشخاصاً يشبهونه في التفكير والسلوك والمصلحة ، مجموعة صغيرة تتبادل المنافع، وتدير شبكة من العلاقات الخفية، وتتصرف كأنها دولة داخل الدولة.

إن أخطر ما في هذا النوع من النفوذ أنه لا يعتمد على الكفاءة بقدر اعتماده على صناعة الصورة فهناك أشخاص أتقنوا فن الظهور أكثر من فن الإنجاز، وفن الحديث عن العمل أكثر من العمل نفسه.  يعرفون كيف يصنعون لأنفسهم هالة من الأهمية، وكيف يقدمون أنفسهم باعتبارهم الحل لكل مشكلة، والمفتاح لكل باب، والوسيط الضروري بين المسؤول وبقية العاملين ، وحين تنجح هذه الصورة في الاستقرار داخل ذهن صاحب القرار، يبدأ ما يمكن تسميته بمرحلة «الهيمنة الناعمة». وهي مرحلة لا يُقصى فيها الناس بقرارات رسمية، بل بإشارات خفية ولا تُغتال فيها الكفاءات بوسائل مباشرة، بل بحملات تشكيك صامتة ولا يُمنع فيها المتميز من النجاح، بل يُحاصر حتى يفقد رغبته في المحاولة ،  فإذا برز موظف متميز بدأت ضده حملات التشكيك الصامتة، وإذا نجح أكاديمي في عمله صار هدفاً للغيرة، وإذا تميز إداري في أدائه أصبح مشروع خصم يجب احتواؤه أو إبعاده.

أما أصحاب المبادئ الذين يرفضون الانحناء، فهم في نظر هذه الشبكات أخطر من أي خصم آخر؛ لأن وجودهم وحده يكشف هشاشة المنظومة التي صنعها المتسلقون، ولهذا تتحول الوشاية إلى أداة إدارية غير معلنة ، فيُكتب تقرير هنا، وتُنقل كلمة هناك، ويُجتزأ حديث من سياقه، وتُفسر النوايا على أنها مؤامرات، حتى يصبح صاحب الكفاءة موضع شك، بينما يظهر صاحب الوشاية بمظهر الحريص على المؤسسة.

إنها واحدة من أقدم الحيل في التاريخ الإنساني، فالضعيف لا يواجه الأقوياء مباشرة، بل يحاول أولاً تشويه صورتهم، ولهذا قال الفيلسوف الألماني شوبنهاور إن الحسد لا يسعى دائماً إلى امتلاك ما لدى الآخرين، بل يسعى أحياناً إلى حرمانهم منه ، وما أكثر الذين لا يستطيعون أن يكونوا ناجحين، فيعملون على منع الناجحين من النجاح.

قدرة خارقة

وحين يطول أمد هذه الحالة، يبدأ العاملون في المؤسسة بملاحظة أمر يدعو إلى الدهشة ، فكل الأخطاء تُغتفر لهذا المقرب ، وكل التجاوزات تمر دون حساب ، وكل الامتيازات تذهب إليه ، وكل الشكاوى ضده تُدفن في الأدراج ، وكل من يتحدث عنه يتحول هو نفسه إلى متهم ، فيبدو الأمر وكأن هذا الشخص يمتلك قدرة خارقة على الإفلات من المساءلة. وهنا تبدأ التفسيرات الشعبية بالظهور ، فيقال إنه يستعمل السحر ، ويقال إنه يمتلك وسائل غامضة للتأثير ، ويقال إنه يسيطر على العقول ، لكن الحقيقة غالباً أكثر بساطة وأكثر خطورة في الوقت نفسه ، فما يبدو سحراً ليس سوى تفاعل معقد بين الخوف والمصلحة والصمت ، إنه سحر المصالح ، السحر الذي يجعل البعض يرون الحقيقة لكنهم يخشون قولها ، والسحر الذي يجعل آخرين يدركون الخلل لكنهم يفضلون التعايش معه ، والسحر الذي يحول المسؤول، من حيث لا يشعر، إلى أسير لدائرة ضيقة من المعلومات والآراء. إن هذا السحر لا يُصنع بالعصا السحرية، بل يُصنع بثلاثة عناصر قاتلة: الخوف، والمصلحة، والصمت ، الخوف الذي يمنع الناس من قول الحقيقة والمصلحة التي تجعل البعض شركاء في استمرار الخلل والصمت الذي يمنح الفساد فرصة النمو دون مقاومة ، وحين تجتمع هذه العناصر الثلاثة، تتشكل بيئة مثالية لتكاثر الفشل وتحوله إلى سلطة ، فالإنسان حين يسمع الصوت نفسه كل يوم يبدأ بالاعتقاد أنه الحقيقة الوحيدة. وحين يرى الأشخاص أنفسهم باستمرار يبدأ بالظن أنهم الأكفأ ، وحين يُحجب عنه الرأي الآخر يفقد تدريجياً القدرة على المقارنة ، وهكذا لا يحتاج الفشل إلى أن يكون ذكياً جداً لكي ينتصر ، يكفي أن ينجح في عزل المسؤول عن مصادر الرأي الأخرى .

إن أخطر ما يهدد المؤسسات ليس الفاسد الظاهر، لأن الفاسد الظاهر يمكن اكتشافه ومحاسبته ، وإنما الفاسد الذي يرتدي ثوب الإخلاص ، والمتسلق الذي يتحدث باسم المصلحة العامة ، والانتهازي الذي يقدم نفسه باعتباره المدافع الأول عن المؤسسة ، فهؤلاء لا يسرقون المال فقط، بل يسرقون الثقة ، ولا يهدرون الموارد فقط، بل يهدرون العدالة ، ولا يعرقلون المشاريع فقط، بل يقتلون الأمل في نفوس العاملين.

وعندما يشعر أصحاب الكفاءة أن الجهد لا قيمة له، وأن التميز لا يكافأ، وأن النفوذ أهم من الإنجاز، تبدأ أخطر عملية نزيف داخل أي مؤسسة ، إنها هجرة العقول إلى الصمت ، فليس كل نزيف يكون بخروج الموظفين من المؤسسة ، أحياناً يبقون في أماكنهم، لكنهم ينسحبون نفسياً وفكرياً ، يتوقفون عن المبادرة ، ويتوقفون عن الإبداع ، ويتوقفون عن الحلم ، ويؤدون الحد الأدنى من العمل فقط ، وحين تصل المؤسسة إلى هذه المرحلة تكون قد خسرت أهم مواردها: الإنسان الكفوء .

ولأن الفشل بطبيعته يخشى الضوء، فإنه لا يعيش منفرداً فهو يحتاج دائماً إلى شبكة من العلاقات التي تحميه وتبرره وتمنحه الشرعية  لذلك نرى حول بعض الشخصيات المتنفذة مجموعات متشابهة في السلوك والرؤية، تدافع عن بعضها بعضاً، وتتبادل المنافع، وتعيد إنتاج النفوذ داخل المؤسسة جيلاً بعد جيل فتتحول المواقع الإدارية إلى دوائر مغلقة لا يدخلها إلا من يحمل الصفات نفسها، بينما يُترك أصحاب الكفاءة خارج الأسوار ينتظرون عدالة قد لا تأتي.

ولعل التاريخ الإداري كله يمكن تلخيصه بقاعدة بسيطة « المؤسسات لا تنهار عندما يتقدم الفاشلون، بل تنهار عندما يُقصى الناجحون» ، ويمكن القول أن الناجح إذا أُبعد خسرنا عقله ، أما إذا كوفئ الفاشل خسرنا معيار العدالة نفسه.

ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص فحسب، بل بتغيير الثقافة التي تسمح لهم بالتمدد ، ثقافة تجعل السؤال: «من يعرف المسؤول؟» أهم من السؤال: «من يخدم المؤسسة؟» ، وثقافة تجعل الولاء للأفراد أعلى من الولاء للقانون ، وثقافة ترى في النقد تهديداً، وفي النفاق فضيلة، وفي الصمت حكمة.

فإن المؤسسات التي تُدار بالولاءات الشخصية قد تبدو مستقرة لبعض الوقت، لكنها تحمل في داخلها بذور انهيارها ، أما المؤسسات التي تُدار بالكفاءة والشفافية والمساءلة، فقد تواجه صعوبات مؤقتة، لكنها تمتلك القدرة على النهوض من جديد.

لقد أثبتت تجارب الإدارة الحديثة أن المؤسسة التي تُدار بالأشخاص مصيرها الضعف، أما المؤسسة التي تُدار بالقواعد والشفافية والمساءلة فتبقى قادرة على تصحيح أخطائها والنهوض من أزماتها. فالأشخاص يخطئون ويتغيرون، أما الأنظمة العادلة فتبقى الضمانة الحقيقية لاستمرار النجاح.

والنتيجة النهائية لهذا المشهد ليست مجرد ظلم أفراد هنا أو إقصاء موظفين هناك، بل خسارة المؤسسة نفسها. فالمؤسسات لا تنهار حين يخطئ موظف، ولا حين يفشل مشروع، بل تنهار حين تصبح معايير النجاح معكوسة حين يُكافأ المتسلق لأنه قريب، ويُهمَّش المبدع لأنه مستقل، ويُستبعد الناصح لأنه صريح

وفي النهاية، ليس أخطر ما في بعض المقربين أنهم يهمسون في آذان المسؤولين، بل أن المؤسسات تسمح لهم بأن يكونوا الصوت الوحيد المسموع ، فحين يحتكر شخص واحد الحقيقة، ويتحول إلى بوابة لكل قرار، ويصبح معيار القرب أهم من معيار الكفاءة، فإن المؤسسة لا تكون قد وقعت تحت تأثير السحر، بل تحت تأثير وهمٍ أخطر من السحر نفسه، وهم أن شخصاً واحداً يستطيع أن يرى ما لا يراه الجميع، بينما الحقيقة أن الجميع يرون الخلل، لكن القليل فقط يملكون شجاعة الاعتراف به ، فاحذروا من الفاسد حين يسرق المال، لكن احذروا أكثر من الفاسد حين يسرق القرار، لأن الأول ينهب خزينة، أما الثاني فينهب مستقبل مؤسسة بأكملها.

 

 


مشاهدات 38
الكاتب عباس التميمي
أضيف 2026/07/07 - 4:03 PM
آخر تحديث 2026/07/08 - 1:15 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 119 الشهر 7610 الكلي 15912737
الوقت الآن
الأربعاء 2026/7/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير