شيفرة الـ 39.. كواليس الصراع العددي وإنقلاب الأغلبية في كردستان
وفاء الفتلاوي
تتجه أزمة تشكيل حكومة إقليم كردستان إلى مستوى أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً بعدما تحولت من خلاف تقليدي على توزيع الحقائب إلى صراع مفتوح على تفسير نتائج الانتخابات وحدود الشرعية السياسية داخل الإقليم.
الأرقام التي أفرزتها الانتخابات تبدو في ظاهرها حاسمة إذ حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني على 39 مقعداً ما جعله القوة الأولى في البرلمان الجديد في المقابل نال الاتحاد الوطني الكردستاني 23 مقعداً قبل أن تتغير معادلة التوازن السياسي بعد انضمام حركة الجيل الجديد إلى محور الاتحاد ما رفع سقف التمثيل إلى مستوى يقارب 39 مقعداً وفق تقديرات سياسية متداولة داخل المشهد الكردي.
وهذا التحول لم يغير فقط ميزان القوى داخل البرلمان بل أعاد تعريف مفهوم الأغلبية في العملية السياسية ليظهر صراع جديد بين منطقين متناقضين منطق الاستحقاق الانتخابي الذي يتمسك به الحزب الديمقراطي ومنطق الشراكة السياسية الذي يطرحه الاتحاد الوطني وحلفاؤه.
نظام سياسي
ويعتبر الحزب الديمقراطي كونه الكتلة الأولى يمنحه حقاً طبيعياً في الاحتفاظ برئاسة الإقليم ورئاسة الحكومة باعتبارهما مركز الثقل التنفيذي في النظام السياسي الكردي في المقابل يرى الاتحاد الوطني أن اتساع تحالفه البرلماني يمنحه قدرة على فرض معادلة التوازن المتكافئ بما يعني تقاسم السلطة على أساس 39 مقابل 39 لا على أساس ترتيب الكتل منفردة رغم حصوله على رئاسة الجمهورية حسب العرف السياسي.
وهذه المعادلة المعقدة فتحت الباب أمام خيار أكثر حساسية يتمثل في التلويح بحل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة وهو خيار لم يعد مجرد ورقة ضغط إعلامية بل بات جزءاً من خطاب سياسي متصاعد بين الطرفين فالديمقراطي يلوّح بإعادة الاحتكام إلى الشارع في حال فرضت عليه تنازلات تمس موقعه السياسي بينما يعتقد الاتحاد الوطني أن ميزان القوى الجديد يمنحه فرصة لإعادة صياغة قواعد السلطة داخل الإقليم.
لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود المناصب فاستمرار الانسداد السياسي ينعكس مباشرة على إدارة الملفات الحيوية في الإقليم خصوصاً ملف الرواتب والموازنة والعلاقة المالية مع بغداد إضافة إلى ملفات النفط والمنافذ الحدودية وهي ملفات لا يمكن إدارتها بفعالية في ظل حكومة تصريف أعمال طويلة الأمد.
ضغوط داخلية
تبدو أربيل أمام اختبار صعب يكمن في التوصل إلى تسوية مرنة تقوم على إعادة توزيع السلطة بشكل مرن يرضي الطرفين أو الدخول في مرحلة جمود سياسي قد تفرض لاحقاً ضغوطاً داخلية وخارجية تدفع نحو حل البرلمان وإعادة الانتخابات.
والمفارقة أن الطرفين يمتلكان أوراق قوة لكن لا يملك أي منهما القدرة على الحسم منفرداً فالديمقراطي يمتلك الشرعية الانتخابية الأولى بينما يمتلك الاتحاد الوطني هامش تحالفات يمنحه قدرة على تعطيل أي تشكيل حكومي لا يتوافق مع شروطه.
في المحصلة لا يبدو أن الأزمة الكردية الحالية هي مجرد أزمة تشكيل حكومة بل هي إعادة تعريف لطبيعة النظام السياسي نفسه داخل الإقليم هل يبنى على منطق الفائز الأول أم على منطق التوازن العددي والتحالفات.
والإجابة عن هذا السؤال قد لا تحدد فقط شكل الحكومة المقبلة بل مستقبل الاستقرار السياسي في كردستان خلال المرحلة القادمة.