الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الترتيب رقم ( ١٣٦)

بواسطة azzaman

الترتيب رقم ( ١٣٦)

رشيد العجيل 

 

منذ عقود، والعراق يئن تحت وطأة أزمات مركبة، لكن أكثرها فتكاً بكيان الدولة ليس الإرهاب ولا الحروب الخارجية، بل هو "السرطان الداخلي" الذي نهش مفاصلها وهو الفساد المنظم.

الرقم (136) ليس مجرد تسلسل رقمي وضعه مؤشر مدركات الفساد العالمي لترتيب العراق بين دول العالم، بل هو كود مأساوي يختصر حكاية وطن يُنهب نهاراً جهاراً، ويشرح كيف تحولت بلاد الرافدين من دولة ذات مؤسسات صارمة إلى ساحة مفتوحة لسرقة كل شيء.

المفارقة الصادمة: العراق قبل 1991 والآن

لإدراك حجم الكارثة، لا بد من العودة بالذاكرة إلى ما قبل نقطة التحول التاريخية؛ عاصفة الصحراء عام 1991.

• قبل عام 1991: رغم قسوة النظام والحروب، كانت للدولة العراقية هيبة مؤسساتية وقوانين صارمة تُطبق بحذافيرها. كان الفساد المالي والإداري معزولاً، يُعاقب عليه بالإعدام أو السجن المؤبد في حال مساسه بالاقتصاد الوطني. كانت مؤسسات التعليم والطبابة والخدمات، ورغم الحصار اللاحق، تُدار بعقليّة "رجل الدولة"، وحُفظت أصول البلاد وممتلكاتها العامة ضمن إطار بيروقراطي شديد الانضباط.

• بعد سنوات التهديم (مرحلة ما بعد 2003): عقب الغزو الإمريكي، لم يجرِ تغيير النظام السياسي فحسب، بل جرى تهديم ممنهج لبنية الدولة بتخطيط استراتيجي من رامسفيلد ودولة إسرائيل وتنفيذ بريمر. استُبدلت الكفاءة بالولاء، والمؤسساتية بالمحاصصة. واليوم، يتصدر العراق قوائم الفساد العالمية بعد أن تحول الفساد من سلوك فردي منحرف إلى "مؤسسة قائمة بذاتها" تمتلك أدواتها وقوانينها وحمايتها السياسية.

دكتاتورية المحاصصة: كيف سُرِقَ حتى "تراب البلد"؟

إن أخطر ما واجهه العراق بعد سقوط مفهوم الدولة هو نظام المحاصصة الطائفية والحزبية بكل مسمياته. تحولت الوزارات والمديريات العامة إلى "إقطاعيات حصرية" للأحزاب والكتل السياسية، حيث تُباع المناصب وتُشترى بناءً على حجم العوائد الماليّة التي يمكن للمسؤول الفاسد ضخها إلى خزينة حزبه أو شركائه.

ولم يقف قطار النهب عند مبيعات النفط، وعقود المشاريع الوهمية، وتهريب العملة عبر "نافذة البنك المركزي"، بل وصل الجشع إلى حدود غير معقولة:

• سرقة الأراضي والعقارات: الاستيلاء الممنهج على عقارات الدولة والأراضي المميزة وتحويل ملكيتها لمتنفذين.

• سرقة الثروات الطبيعية: وصل الأمر حرفياً إلى سرقة تراب البلد وثرواته الطبيعية من خلال قضايا التهريب المميز، وتجريف البساتين التاريخية لحساب مجمعات سكنية استثمارية تابعة لجهات حزبيّة، فضلاً عن تهريب النفط الخام.

لقد تحول الفساد إلى "سلوك شرعي" في نظر الفاسدين وبتوافقات سياسية تحت قبة البرلمان.

"صولة الفجر": هبة أمل أم مناورة سياسية؟

في خضم هذا الظلام المطبق، أعلن السيد علي الزيدي هذا الأسبوع عن إطلاق ما وُصفت بـ "صولة الفجر" لمكافحة الفساد وملاحقة حيتانه. وإذا ما أردنا تقييم هذه الخطوة بصدق وعقلانية، بعيداً عن البروباغندا الإعلامية، فإن صدق هذه الصولة ومقدار نجاحها يرتكزان على شروط حاسمة وحلول جذرية لا تقبل المواربة.

إذا كان الزيدي صادقاً وجاداً في "صولة الفجر"، فإن تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى والحلول لا تكمن في اعتقال بعض الفاسدين، بل يجب أن تسير وفق الخارطة التالية:

1. كسر الخطوط الحمراء للأحزاب

الفساد في العراق محمي بـ "السلاح والسياسة". الصدق في المحاسبة يعني ألّا توجد حصانة لأي رئيس كتلة، أو وزير سابق، أو زعيم فصيل مسلح. إن تقديم رأس كبير واحد من حيتان المحاصصة للمحاكمة العلنية كفيل بإثبات أن "صولة الفجر" ليست مجرد تصفية حسابات سياسية أو مناورة لامتصاص الغضب الشعبي.

2. استرداد الأموال المنهوبة وليس العقاب الفردي فقط. السجن للفاسد لا يكفي إذا بقيت المليارات المنهوبة في بنوك عمان، وبيروت، ودبي، ولندن. يجب تفعيل القوانين الدولية وملاحقة "الأموال المهربة" والأصول العقارية المسجلة بأسماء أقارب الفاسدين ووكلائهم.

3. أتمتة النظام المالي وإلغاء التعامل النقدي حيث ان الفساد المنظم يكره الضوء. إن تحويل التعاملات في دوائر الدولة (الجمارك، الضرائب، التسجيل العقاري، المنافذ الحدودية) إلى "النظام الإلكتروني والأتمتة الرقمية" سيقطع أيدي الابتزاز المالي، ويمنع السرقات المليارية التي تتم عبر المعاملات الورقية المزوّرة.

4. استقلال القضاء وتطهيره

لا يمكن لـ "صولة الفجر" أن تنجح إذا كان القاضي يخشى الاغتيال أو النقل التعسفي. إن توفير حماية دولية أو تشكيل محاكم خاصة بجرائم الفساد الكبرى بعيداً عن الضغوط السياسية هو الضمان الوحيد لإنفاذ القانون.

خاتمة

إن الترتيب (136) في قائمة الفساد هو وصمة عار في تاريخ بلد يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في المنطقة، وعمقاً حضارياً يمتد لآلاف السنين. إن تهديم الدولة الذي بدأ بعد عام 1991 وتعمق بعد 2003، جعل من معركة الفساد معركة وجودية للعراق؛ فإما أن تنتصر الدولة ويُستعاد التراب المنهوب، أو ينتهي ما تبقى من هيكل الوطن.

السيد علي الزيدي وحكومته أمام اختبار حقيقي؛ فالشارع العراقي لم يعد تنطلي عليه الشعارات المرفوعة، والفيصل الوحيد هو رؤية "رؤوس الحيتان" خلف القضبان، واستعادة ثروات الوطن المغتصبة.

 


مشاهدات 33
الكاتب رشيد العجيل 
أضيف 2026/07/06 - 2:21 PM
آخر تحديث 2026/07/07 - 3:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 180 الشهر 6544 الكلي 15911671
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/7/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير