الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حذار من كلام الهواء

بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

حذار من كلام الهواء

زيد الحلي

 

وقفت مليا أمام توضيح السيد قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، قبل يومين، الذي أكد فيه أنه تم رصد تسجيلات ومقابلات تلفزيونية في عدد من القنوات الفضائية، أسند فيها ضيوف الحلقات معلومات عن التحقيقات كانت، بمجملها، غير صحيحة، ولا تمت إلى الحقيقة بصلة، وأن المحكمة ستتخذ أشد الإجراءات القانونية بحق مرتكبي هذه الأفعال والتصرفات الدنيئة التي تحاول تشويه جهود القضاء والحكومة والأجهزة المختصة بمكافحة الفساد.

وفعلاً، لاحظت، كإعلاميّ ومواطن عادي، في الأيام التي أعقبت «صولة الفجر» المباركة، ظهور عدد من ضيوف بعض الفضائيات، يطلقون العنان لمخيلاتهم، فأخذوا يتحدثون بأرقام وتفاصيل وأوصاف عن التحقيقات الجارية بإسهاب، وكأنهم مشاركون فيها، وبأسلوب الواثق من نفسه، وكأن الثقة وحدها أصبحت بديلاً عن الدليل، وأن الجرأة في إطلاق الأحكام تغني عن امتلاك الحقيقة، حتى بات المواطنون يتداولون فيما بينهم ما يصدر عن هؤلاء الضيوف من أحاديث، وكأنها حقائق لا تقبل الجدل.

ومن الغريب أن تتسيد، في كل مرحلة أو نشاط غير مألوف، ظاهرة معينة، فتغدو «علامتها المسجلة». ولا أظن أن أحداً يخالفني الرأي في أن الشائعة أصبحت العلامة الأبرز في المرحلة التي نعيشها اليوم، فهي الكلمة الأكثر تداولاً في أحاديث ضيوف بعض الفضائيات، حتى غدت لصيقة بتفاصيل الحياة اليومية. ولقد جاء توضيح قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية في وقته، ليضع حداً لبائعي الكلام غير المسؤول. وهنا أضع أمام أصحاب القرار حقيقة تستحق الدراسة، وهي أن الشائعة طائرة أسرع من الصوت، وربما أسرع من الحقيقة نفسها، وفي أحيان كثيرة يكون أثرها أشد من أي سلاح، وقد حفلت الذاكرة القريبة والبعيدة بأسماء حوادث مؤسفة وانهيارات وتداعيات خطيرة في حياة الأوطان والشعوب، أطاحت بعروش وإمبراطوريات، كانت بدايتها شائعة صغيرة، لكنها كانت من مفاتيح الشر.

وفي رأيي أن أهم أسباب انتعاش الشائعة يعود إلى غياب المعلومات، وندرة الأخبار الموثقة. فالمعلومة الرسمية حين تتأخر، تفتح الباب واسعاً أمام الاجتهادات، وتترك فراغاً تملؤه الشائعة، حتى تبدو في نظر البعض حقيقة لا تقبل الجدل. ولهذا يدعو الخبراء إلى تزويد المجتمع بجميع الأخبار الدقيقة والتفصيلية الممكنة، ليكون على بينة مما يجري حوله من أحداث تؤثر في حياته ومستقبله. وهذا، مع الأسف، ما نفتقده في كثير من الأحيان.

وإنني أشبه الشائعة بإنسان يمدحك في الضجيج، ويخونك في الصمت، فهي أخس صور الخيانة. وأخطر أنواع الشائعات تلك التي تظهر في أول الأمر، ثم تغوص تحت السطح كعقرب الرمال، لتعود إلى الظهور عندما تتهيأ لها الظروف، ويكثر هذا النوع من الشائعات مع كل حرب، أو أزمة، أو إجراء استثنائي. إن ما يحدث حالياً هو أن ضيوف بعض الفضائيات يصورون أنفسهم بأنهم الأقرب إلى مصادر المعلومات، أو الأعرف بخفايا التحقيقات، ونسوا ، ليس من حق أحد أن يتحدث باسم القضاء أو التحقيقات أو مؤسسات الدولة من دون سند موثق، لأن الكلمة حين تقال عبر شاشة فضائية لا تبقى رأياً شخصياً، بل تتحول إلى رسالة تؤثر في الرأي العام، وقد تبني ثقة أو تهدمها. وهكذا تتحول تصريحاتهم، الفاقدة للدليل، إلى أخطر الشائعات.

ورسالة إلى كل من اعتاد إطلاق الكلام على عواهنه عبر الشاشات: اتقوا الله في أوطانكم، فالكلمة أمانة، والشائعة رصاصة قد لا يسمع صوتها، لكنها قد تصيب مجتمعاً بأكمله. اقتلوا الشائعة بالمعلومة الصحيحة، وبالصدق، وبالشفافية، قبل أن تتحول إلى نار لا تبقي ولا تذر.

Z_alhilly@yahoo.com


مشاهدات 36
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2026/07/04 - 2:34 PM
آخر تحديث 2026/07/05 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 133 الشهر 4406 الكلي 15909533
الوقت الآن
الأحد 2026/7/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير