هو الذي كتب
علي السوداني
كان الزقاق مائلاً وطوله بقدر عشرين قامةً للاعبي كرة سلةٍ شداد .
رفعتُ عينيَّ وزرعتهما بعين الشمس الكاملة فكانت تلك أُولى حماقات الظهيرة .
ولأنَّ الربَّ قد وضع سرَّهُ العظيم بأحقر خلقِهِ ، فلقد تزحلق جسدي القليل بقشرة موز لعينة وواصل الدحرجة المنتظمة حتى أخير الشارع القصير .
حاولتُ النهوض بسرعة كي أفوت على المتفرجين فصل الضحك الغبي ، لكنني سقطتُ ثانيةً على وجهي وساحَ دمٌ غزيرٌ من خشمي وحلقي ، ومع كل محاولة قيام على طولي ، أقع وأفقد ما تبقى من حيلي وحيلتي حتى جاء المدد من حيث لا أدري .
بين الغيب والصحو عرفتُ أنَّ بائع السوس قد صنع لي متكئاً من ساقين وركبتين وأنفاسٍ حارة وخلع أزاره الأحمر البشتمان ولفَّ ببعضه رأسي المدمى ثم صبَّ بفمي عنوةً كأساً من عصير السوس الأحمر قال هذا سيجعلك كما كنت عليه في باب الزقاق .
لم يكذب الرجل الشريف أبداً وها أنا أقوم على تمامي وكمالي وقد ذهب الخوف والضمأ ودوخة الرأس وهزيمة الجسم . شكرتُهُ وقبلتُهُ من بين عينيه الدامعتين وكدتُ أنسى كفّي ببطن كفّهِ من فرط الإمتنان والعرفان والرهبة .
ما حدث تالياً لا يشبه ما وقع أولاً . لقد استطلتُ حتى وصل رأسي رأس نخلةٍ عنقاء تنوء بحملها فتصير حدباء مثل ظهر أبٍ يطعمُ عيالَهُ بغير حساب .
في طريقي إلى البيت مشياً وزهواً ، كان عليَّ تفادي أسلاك الكهرباء وجسور المشاة ويافطات الإعلان المضيء وعيون المتلصصين .
بباب الدار الخاوية لم أستطع الولوج ، فجعلتُ من العتبة وسادةً والرصيف فراشاً والسماء لحافاً وستراً حتى مطلع أذان الفجر وتنغيم المؤذن البديع .