نواف العبيدلي
في السنوات الأخيرة أصبح مصطلح Open-Minded يتكرر كثيرًا في النقاشات الفكرية والاجتماعية، وغالبًا ما يُقدَّم الانفتاح الفكري على أنه علامة على الوعي والتحضر والتطور. لكن مع مرور الوقت بدأت ألاحظ أن هذا المفهوم يُستخدم أحيانًا بطريقة مختلفة عن معناه الحقيقي.
في بعض النقاشات، إذا وافقت على فكرة معينة تُوصف بأنك منفتح فكريًا. لكن إذا اعترضت عليها… قد يُقال إنك غير متحضر أو لا تواكب التغيرات الاجتماعية.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل أصبح مفهوم الانفتاح الفكري في بعض الأحيان أداة للضغط الاجتماعي؟
ومن المغالطات المرتبطة بهذا المفهوم أن يُفهم الانفتاح الفكري على أنه تقبّل جميع الأفكار دون تمييز او اعتراض، حتى تلك التي قد تتعارض مع القيم الأخلاقية أو الثقافية للمجتمع. ففي بعض الخطابات قد تُقدَّم بعض الأفكار أو السلوكيات غير سوية أخلاقياً على أنها دليل على التطور” أو “التحضر”، بينما يُصوَّر من يرفضها على أنه غير منفتح فكريًا.
وهنا يتحول المفهوم من منهج للتفكير إلى أداة ضغط اجتماعي.
لكن الانفتاح الفكري الحقيقي لا يعني التخلي عن القيم أو المعايير، بل يعني فهم الأفكار وتحليلها قبل الحكم عليها.
أتذكر تجربة شخصية أثرت في فهمي لهذا المفهوم.
في عام 2008 كنت أعمل موظفًا في إحدى المؤسسات، والتقيت بزميل يكبرني سنًا وخبرةً. كان لديه العديد من الأفكار حول تطوير العمل، لكنه كان مستاءً كثيرًا لأن أفكاره غالبًا كانت تُقابل بالرفض والاستهزاء لأنها غير اعتيادية.
وفي بعض الأحيان كان يُساء فهمه ويُنظر إليه على أنه معارض للعمل.
في إحدى المرات جلست معه لفترة طويلة أستمع إلى أفكاره. بصراحة، لم تعجبني جميع تلك الأفكار، لكن حديثه جعلني أفكر في كثير من الأمور.
هل يمكن أن تكون بعض هذه الأفكار قابلة للتطبيق؟ هل يمكن أن تحمل زاوية مختلفة لم ننتبه لها؟
وفي اليوم التالي، وبينما كنا متجهين إلى صلاة المغرب، قال لي جملة ما زلت أتذكرها حتى اليوم:
”نواف، في يوم من الأيام ستنجح… لأنك تستمع باهتمام وتعطي فرصة للحديث وتبادل الأفكار.”
كانت جملة بسيطة، لكنها بقيت في ذهني لسنوات.
ومنذ ذلك اليوم أدركت أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست في الأفكار الجديدة… بل في قدرتنا على الاستماع لها.
فالاستماع للأفكار لا يعني بالضرورة الاتفاق معها، لكنه يمنحنا فرصة لفهمها قبل الحكم عليها.
ومع مرور الوقت، خصوصًا بعد دراسة الماجستير والتركيز على البحث العلمي والتفكير النقدي، أصبحت أتعامل مع الأفكار بطريقة مختلفة.
أحاول دائمًا أن: ابحث عن الآراء الجدلية لبعض النظريات الإدارية (التي يقدسها البعض). أستمع لوجهات النظر المختلفة.
أفهم الفكرة من أكثر من زاوية. ثم أوازن بينها قبل تبني النموذج النهائي للبحث.
وهذا ليس مهمًا في النقاشات الفكرية او الأكاديمية فقط، بل هو مهم جدًا في بيئات العمل.
ففي بعض المؤسسات قد يعتقد بعض القادة أن القوة القيادية تعني التمسك بالرأي وعدم التراجع عنه، أو عدم إعطاء مساحة كافية لآراء الموظفين. وقد يظن البعض أن القائد المؤثر هو من يفرض فكرته بقوة المنصب والشخصية.
لكن التجربة العملية تُظهر أن القيادة الحقيقية لا تقوم على فرض الأفكار، بل على القدرة على الاستماع لها.
فالقادة والمديرون الذين يشجعون الاستماع الحقيقي وتبادل الأفكار يهيئون بيئات عمل أكثر صحة واحترامًا. وفي هذه البيئة تظهر الأفكار الجديدة، تتحسن جودة القرارات، ويصبح العمل أكثر تناغمًا وابتكارًا. في النهاية… الانفتاح الفكري الحقيقي لا يعني أن توافق على كل الأفكار.
بل يعني أن تعطي الأفكار فرصة عادلة للفهم قبل الحكم عليها.
فليس كل من يرفض فكرة منغلقًا، كما أن ليس كل من يقبل فكرة منفتحًا. وربما لا تحتاج المؤسسات دائمًا إلى أفكار جديدة بقدر ما تحتاج إلى ثقافة مؤسسية تتيح مساحة للتعبير، وتبادل وجهات النظر، والمشاركة في اتخاذ القرار.