الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل‭ ‬أصبح‭ ‬مفهوم مفتح فكرياً ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬اجتماعي؟

بواسطة azzaman

هل‭ ‬أصبح‭ ‬مفهوم مفتح فكرياً ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬اجتماعي؟

نواف العبيدلي

 

في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أصبح‭ ‬مصطلح‭ ‬Open‭-‬Minded‭ ‬يتكرر‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الفكرية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يُقدَّم‭ ‬الانفتاح‭ ‬الفكري‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬علامة‭ ‬على‭ ‬الوعي‭ ‬والتحضر‭ ‬والتطور‭. ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬بدأت‭ ‬ألاحظ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬يُستخدم‭ ‬أحيانًا‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭ ‬عن‭ ‬معناه‭ ‬الحقيقي‭.‬

في‭ ‬بعض‭ ‬النقاشات،‭ ‬إذا‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬معينة‭ ‬تُوصف‭ ‬بأنك‭ ‬منفتح‭ ‬فكريًا‭. ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬اعترضت‭ ‬عليها‮…‬‭ ‬قد‭ ‬يُقال‭ ‬إنك‭ ‬غير‭ ‬متحضر‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تواكب‭ ‬التغيرات‭ ‬الاجتماعية‭.‬

وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭: ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬مفهوم‭ ‬الانفتاح‭ ‬الفكري‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬أداة‭ ‬للضغط‭ ‬الاجتماعي؟

ومن‭ ‬المغالطات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬أن‭ ‬يُفهم‭ ‬الانفتاح‭ ‬الفكري‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬تقبّل‭ ‬جميع‭ ‬الأفكار‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬او‭ ‬اعتراض،‭ ‬حتى‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬أو‭ ‬الثقافية‭ ‬للمجتمع‭. ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الخطابات‭ ‬قد‭ ‬تُقدَّم‭ ‬بعض‭ ‬الأفكار‭ ‬أو‭ ‬السلوكيات‭ ‬غير‭ ‬سوية‭ ‬أخلاقياً‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬التطور”‭ ‬أو‭ ‬“التحضر”،‭ ‬بينما‭ ‬يُصوَّر‭ ‬من‭ ‬يرفضها‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬منفتح‭ ‬فكريًا‭.‬

وهنا‭ ‬يتحول‭ ‬المفهوم‭ ‬من‭ ‬منهج‭ ‬للتفكير‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬اجتماعي‭.‬

لكن‭ ‬الانفتاح‭ ‬الفكري‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬أو‭ ‬المعايير،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬فهم‭ ‬الأفكار‭ ‬وتحليلها‭ ‬قبل‭ ‬الحكم‭ ‬عليها‭.‬

أتذكر‭ ‬تجربة‭ ‬شخصية‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬فهمي‭ ‬لهذا‭ ‬المفهوم‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬كنت‭ ‬أعمل‭ ‬موظفًا‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المؤسسات،‭ ‬والتقيت‭ ‬بزميل‭ ‬يكبرني‭ ‬سنًا‭ ‬وخبرةً‭. ‬كان‭ ‬لديه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬حول‭ ‬تطوير‭ ‬العمل،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬مستاءً‭ ‬كثيرًا‭ ‬لأن‭ ‬أفكاره‭ ‬غالبًا‭ ‬كانت‭ ‬تُقابل‭ ‬بالرفض‭ ‬والاستهزاء‭ ‬لأنها‭ ‬غير‭ ‬اعتيادية‭.‬

وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬كان‭ ‬يُساء‭ ‬فهمه‭ ‬ويُنظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬معارض‭ ‬للعمل‭.‬

في‭ ‬إحدى‭ ‬المرات‭ ‬جلست‭ ‬معه‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬أستمع‭ ‬إلى‭ ‬أفكاره‭. ‬بصراحة،‭ ‬لم‭ ‬تعجبني‭ ‬جميع‭ ‬تلك‭ ‬الأفكار،‭ ‬لكن‭ ‬حديثه‭ ‬جعلني‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأمور‭.‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬قابلة‭ ‬للتطبيق؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬زاوية‭ ‬مختلفة‭ ‬لم‭ ‬ننتبه‭ ‬لها؟

وفي‭ ‬اليوم‭ ‬التالي،‭ ‬وبينما‭ ‬كنا‭ ‬متجهين‭ ‬إلى‭ ‬صلاة‭ ‬المغرب،‭ ‬قال‭ ‬لي‭ ‬جملة‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أتذكرها‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭:‬

‭”‬نواف،‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬الأيام‭ ‬ستنجح‮…‬‭ ‬لأنك‭ ‬تستمع‭ ‬باهتمام‭ ‬وتعطي‭ ‬فرصة‭ ‬للحديث‭ ‬وتبادل‭ ‬الأفكار‭.”‬

كانت‭ ‬جملة‭ ‬بسيطة،‭ ‬لكنها‭ ‬بقيت‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬لسنوات‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬الأفكار‭ ‬الجديدة‮…‬‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬الاستماع‭ ‬لها‭.‬

فالاستماع‭ ‬للأفكار‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬الاتفاق‭ ‬معها،‭ ‬لكنه‭ ‬يمنحنا‭ ‬فرصة‭ ‬لفهمها‭ ‬قبل‭ ‬الحكم‭ ‬عليها‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬دراسة‭ ‬الماجستير‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬أصبحت‭ ‬أتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأفكار‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭.‬

أحاول‭ ‬دائمًا‭ ‬أن‭: ‬ابحث‭ ‬عن‭ ‬الآراء‭ ‬الجدلية‭ ‬لبعض‭ ‬النظريات‭ ‬الإدارية‭ (‬التي‭ ‬يقدسها‭ ‬البعض‭). ‬أستمع‭ ‬لوجهات‭ ‬النظر‭ ‬المختلفة‭.‬

أفهم‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬زاوية‭. ‬ثم‭ ‬أوازن‭ ‬بينها‭ ‬قبل‭ ‬تبني‭ ‬النموذج‭ ‬النهائي‭ ‬للبحث‭.‬

وهذا‭ ‬ليس‭ ‬مهمًا‭ ‬في‭ ‬النقاشات‭ ‬الفكرية‭ ‬او‭ ‬الأكاديمية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مهم‭ ‬جدًا‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭.‬

ففي‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬قد‭ ‬يعتقد‭ ‬بعض‭ ‬القادة‭ ‬أن‭ ‬القوة‭ ‬القيادية‭ ‬تعني‭ ‬التمسك‭ ‬بالرأي‭ ‬وعدم‭ ‬التراجع‭ ‬عنه،‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬إعطاء‭ ‬مساحة‭ ‬كافية‭ ‬لآراء‭ ‬الموظفين‭. ‬وقد‭ ‬يظن‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬القائد‭ ‬المؤثر‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يفرض‭ ‬فكرته‭ ‬بقوة‭ ‬المنصب‭ ‬والشخصية‭.‬

لكن‭ ‬التجربة‭ ‬العملية‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬الأفكار،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستماع‭ ‬لها‭.‬

فالقادة‭ ‬والمديرون‭ ‬الذين‭ ‬يشجعون‭ ‬الاستماع‭ ‬الحقيقي‭ ‬وتبادل‭ ‬الأفكار‭ ‬يهيئون‭ ‬بيئات‭ ‬عمل‭ ‬أكثر‭ ‬صحة‭ ‬واحترامًا‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬تظهر‭ ‬الأفكار‭ ‬الجديدة،‭ ‬تتحسن‭ ‬جودة‭ ‬القرارات،‭ ‬ويصبح‭ ‬العمل‭ ‬أكثر‭ ‬تناغمًا‭ ‬وابتكارًا‭.  ‬في‭ ‬النهاية‮…‬‭ ‬الانفتاح‭ ‬الفكري‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬توافق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأفكار‭.‬

بل‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬الأفكار‭ ‬فرصة‭ ‬عادلة‭ ‬للفهم‭ ‬قبل‭ ‬الحكم‭ ‬عليها‭.‬

فليس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يرفض‭ ‬فكرة‭ ‬منغلقًا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يقبل‭ ‬فكرة‭ ‬منفتحًا‭. ‬وربما‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬المؤسسات‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية‭ ‬تتيح‭ ‬مساحة‭ ‬للتعبير،‭ ‬وتبادل‭ ‬وجهات‭ ‬النظر،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭.‬


مشاهدات 27
الكاتب نواف العبيدلي
أضيف 2026/07/04 - 2:16 PM
آخر تحديث 2026/07/05 - 1:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 136 الشهر 4409 الكلي 15909536
الوقت الآن
الأحد 2026/7/5 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير