الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من منطق الثورة الى منطق الدولة

بواسطة azzaman

من منطق الثورة الى منطق الدولة

محمد عبد الجبار الشبوط

 

تميل التجارب التاريخية الكبرى إلى المرور بمرحلتين متمايزتين: مرحلة الثورة ومرحلة الدولة. وفي المرحلة الأولى تكون الأولوية لتغيير الواقع القائم، وتعبئة المجتمع، وإعادة بناء الهوية السياسية، وتحدي موازين القوى السائدة، بينما تصبح الأولوية في المرحلة الثانية هي الحفاظ على الدولة، وتعظيم مصالحها الوطنية، وإدارة علاقاتها الخارجية وفق حسابات القوة والمصلحة والاستقرار. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة بوصفه تعبيراً عن تغليب عقلية الدولة على عقلية الثورة، وليس بوصفه تراجعاً عن الثورة أو تنصلاً من تاريخها.

لقد قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أساس ثوري واضح منذ عام 1979، وكان شعار مقاومة الهيمنة الأمريكية أحد أهم مكونات شرعيتها الرمزية والسياسية. غير أن الثورات، مهما كانت شرعيتها التاريخية، لا تستطيع أن تبقى في حالة تعبئة دائمة إلى ما لا نهاية، لأن الدولة ليست مجرد حامل أيديولوجي، بل هي كيان معني بحماية المجتمع، وتنمية الاقتصاد، وتأمين الاستقرار، وتحسين شروط الحياة، والتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية.

إن الفرق بين عقلية الثورة وعقلية الدولة ليس فرقاً بين الصواب والخطأ، وإنما هو فرق بين مرحلتين تاريخيتين ووظيفتين مختلفتين. فالثورة تهدف إلى التغيير، أما الدولة فتهدف إلى الإدارة والبناء والاستدامة. الثورة تتحرك بمنطق الرسالة، أما الدولة فتتحرك بمنطق المصلحة الوطنية. الثورة تنظر إلى العالم من زاوية الصراع، بينما تنظر الدولة إليه من زاوية إدارة المصالح والتوازنات.

والتاريخ الحديث يقدم أمثلة عديدة على هذا التحول. فقد انتقلت الصين بعد عقود من الخطاب الثوري في عهد الزعيم الشيوعي الصيني من مرحلة الثورة الدائمة إلى مرحلة الإصلاح والانفتاح بقيادة الزعيم الصيني، من دون أن تتنكر للثورة الصينية أو لمؤسسها. وظلت الصين شيوعية سياسياً، لكنها أصبحت من أكثر الدول اندماجاً في الاقتصاد العالمي وأكثرها براغماتية في علاقاتها الدولية.

الحد من التسلح

كما أن الاتحاد السوفيتي نفسه، في ذروة الحرب الباردة، وقّع اتفاقيات للحد من التسلح مع الولايات المتحدة، وأقام معها قنوات تفاوض دائمة، رغم أنه كان يعدّ الرأسمالية عدوه العقائدي الأول. وقد أدرك القادة السوفييت أن إدارة التنافس الدولي تختلف عن إدارة التعبئة الأيديولوجية الداخلية.

وفي التجربة الإيرانية ذاتها، شهدت السياسة الخارجية الإيرانية تحولات متكررة تعكس حضور عقلية الدولة إلى جانب عقلية الثورة. فقد تعاونت إيران مع الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة في إسقاط نظام طالبان عام 2001، وأسهمت موضوعياً في إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، ودخلت في مفاوضات طويلة انتهت بالاتفاق النووي عام 2015. وكل ذلك يدل على أن البراغماتية السياسية لم تكن غائبة عن السلوك الإيراني، وإن كانت محكومة دائماً بسقف الخطاب الثوري.

إن توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة، إذا ثبتت مضامينها وتم تطويرها إلى تفاهمات مستقرة، يمكن قراءته باعتباره تعبيراً عن نضوج الدولة الإيرانية ووصولها إلى مرحلة جديدة من الوعي الاستراتيجي. فالاعتراف بضرورات الاقتصاد العالمي، وحاجة المجتمع الإيراني إلى التنمية، والرغبة في تجنب الحروب المفتوحة، والبحث عن دور إقليمي أكثر استقراراً، كلها اعتبارات تنتمي إلى منطق الدولة. ولا يعني ذلك أن إيران مطالبة بالتخلي عن ذاكرتها الثورية أو عن سرديتها التاريخية. فالثورة جزء من هويتها الوطنية الحديثة، وقد أسهمت في بناء مؤسساتها السياسية والعسكرية وفي ترسيخ استقلال قرارها الوطني. لكن المحافظة على الثورة بوصفها ذاكرة تاريخية شيء، وإدارة الدولة بمنطق الثورة الدائمة شيء آخر. فالثورات تنجح عندما تؤسس دولاً قادرة على الحياة، لا عندما تتحول إلى حالة استنفار مستمر تستنزف المجتمع والدولة معاً.

إن العلاقات الدولية لا تُدار بالشعارات مهما كانت جاذبيتها التعبوية، وإنما تُدار بحسابات القوة والمصلحة والتكلفة والعائد. والدول الناجحة ليست هي التي لا تغيّر سياساتها، بل هي التي تعرف متى تتمسك بمواقفها، ومتى تعيد صياغتها، ومتى تنتقل من مرحلة تاريخية إلى مرحلة أخرى من دون أن تفقد تماسكها الداخلي أو إحساسها بذاتها.

ومن هنا يمكن القول إن توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، إذا أصبح منعطفاً ثابتاً في السياسة الإيرانية، قد يمثل مصداقا للانتقال تدريجي من «إيران الثورة» إلى «إيران الدولة»، أو بعبارة أدق، من هيمنة عقلية الثورة إلى تغليب عقلية الدولة، مع الاحتفاظ بالثورة بوصفها مرحلة تأسيسية كبرى في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لا باعتبارها نموذجاً أبدياً لإدارة السياسة الخارجية. إن نجاح هذا الانتقال لن يقاس بمدى بقاء الشعارات القديمة أو اختفائها، بل بمدى قدرة إيران على تحويل استقلالها السياسي ورصيدها الثوري إلى مشروع دولة مستقرة ومزدهرة وقادرة على التفاعل الإيجابي مع العالم من موقع الندية والمصلحة الوطنية.

 

 


مشاهدات 49
الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط
أضيف 2026/06/20 - 1:47 AM
آخر تحديث 2026/06/20 - 3:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 198 الشهر 18918 الكلي 15894399
الوقت الآن
السبت 2026/6/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير