الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كربلاء ذاكرة الزمان

بواسطة azzaman

كربلاء ذاكرة الزمان

رشيد العجيل

 

الشعائر الحسينية ليست مجرد طقوسٍ للبكاء على مأساةٍ مضت بل تحولت إلى ذاكرةٍ تقاوم النسيان وإلى فعلٍ يحفظ حضور القيم التي استشهد من أجلها الإمام الحسين عليه السلام. لقد أدرك أبا الاحرار أن أخطر ما يصيب الأمم ليس استبداد الطغاة فحسب، بل اعتياد الناس على الاستبداد، وصمتهم أمام الفساد، وتبريرهم للظلم حين يرتدي ثوب السلطة أو الدين أو المصلحة. لذلك لم يكن موقفه اعتراضاً سياسياً عابراً، بل ثورةً أخلاقيةً أرادت أن ترسم حدوداً فاصلة بين الشرعية والقوة، وبين الحق والغلبة، وبين المسؤولية والخنوع.ولهذا فإن الحسين لا يطلب من محبيه عبر العصور أن يكتفوا بإحياء ذكراه، بل أن يحملوا رسالته في مواجهة كل طاغيةٍ وفاسد، أياً كان موقعه أو نفوذه. متبع نهج الحسين الذي هو نهج الحق ليس من يبكي الحسين فحسب، بل من يرفض أن يكون شريكاً في ظلم إنسان، أو شاهداً صامتاً او شريكاً على فساد. إن الولاء لنهج الحق يُقاس بجرأة الموقف قبل حرارة العاطفة، وبالانتصار للمظلوم قبل كثرة الشعارات.إن الشعائر تفقد روحها عندما تنفصل عن مقاصدها الكبرى، وتتحول إلى عادةٍ اجتماعيةٍ لا تُنتج وعياً ولا تُحرك ضميراً. فالعبرة ليست بحجم الحشود، بل بقدرتها على صناعة إنسانٍ حرّ لا يساوم على الحق، ولا يبيع كرامته خوفاً أو طمعاً. فكل عصرٍ له يزيده، وكل زمانٍ يعرف أشكالاً جديدة من الطغيان والفساد، لكن رسالة كربلاء تبقى ثابتة: أن قيمة الإنسان تُقاس بموقفه عندما يصبح الحق مكلفاً. وهكذا تبقى كربلاء نداءً مفتوحاً للأحرار، لا لتأبين الماضي، بل لمساءلة الحاضر. إنها دعوةٌ دائمة إلى اليقظة الأخلاقية، وإلى مقاومة الظلم مهما تلونت وجوهه، وإلى الانحياز للعدالة مهما ارتفع ثمنها. ولذلك ظل الحسين حياً في وجدان الإنسانية، لأنه لم يورث الناس ذكرى معركةٍ بل أورثهم امانة الوفاء للمبادئ.

 

 

 

 


مشاهدات 55
الكاتب رشيد العجيل
أضيف 2026/06/28 - 3:31 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 1:23 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 85 الشهر 27480 الكلي 15902961
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير