الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق يفاجئ نفسه

بواسطة azzaman

العراق يفاجئ نفسه

 أحمد فاتح محمد

 

لم يكن أحد يتوقع لا المراقبون، ولا المحللون، ولا حتى الذين اعتادوا على تفسير الصمت العراقي بوصفه قدرا لا مفر منه. جاءت الاعتقالات فجأة، كما يجيء المطر في بلد لم يتعلم بعد كيف يبني مظلة.

غير أن ما يجري اليوم ليس مجرد حملة اعتقالات، إنه كسر لـ”الميثاق الصامت” الذي أقامته النخب السياسية من عام ٢٠٠٣ على أنقاض الدولة الصدامية. فالأسماء التي طالتها يد القانون لم تكن يوما في دائرة المساءلة، بل كانت محصنة بولاءات الدم والمحاصصة وشبكات النفوذ التي نسجتها بصبر بارد على مدى عقدين من النهب المنظم. كانوا يظنون أن “الدولة ضيعتهم”، لا أنهم خدامها.

الفساد في العراق لم يكن يوما ظاهرة فردية عابرة، بل كان “منظومة” لها هرميتها وطقوسها وفقهها الخاص في توزيع الغنائم. ومن يكسر مثل هذه المنظومة لا يكسر ملفات، بل يكسر معادلات وجودية بنت عليها عائلات بأسرها إمبراطورياتها. وهذا ما يجعل ما يقوم به رئيس الوزراء الحالي فعلا يتجاوز الإداري إلى ما يشبه “الاسترداد السياسي” للدولة من أيدي من اختطفوها.

لكن التاريخ يعلمنا الحذر. فالعراق بلد أضاع كثيرا من لحظاته الواعدة في متاهات الإرادات المتقاطعة والمصالح المتشابكة. والإصلاح الحقيقي لا تصنعه حملة مهما بلغت جرأتها، بل تصنعه مؤسسات راسخة وقضاء لا يخضع لـ”فقه المحاصصة”، وإرادة سياسية لا تنكسر أمام أول موجة من الضغوط.

العراق يفاجئ نفسه أحيانا. ولعل هذه المرة تكون المفاجأة التي لا تُنسى، لا التي تُدفن في أرشيف الوعود التي أكلها النسيان. بدء الزيدي بعملية جراحية استئصالية شديدة الصعوبة، فالعراقيون عامة يترقبون ويتابعون عن كثب نتائج هذه التطورات ويؤيدون جميع انواع مكافحة الفساد المنظم و المستشري في العراق، فذلك يعيد العراق الى بناء هيكلية دولة الحقيقية.

العراق يفاجئ نفسه

دكتور أحمد فاتح محمد

 

لم يكن أحد يتوقع لا المراقبون، ولا المحللون، ولا حتى الذين اعتادوا على تفسير الصمت العراقي بوصفه قدرا لا مفر منه. جاءت الاعتقالات فجأة، كما يجيء المطر في بلد لم يتعلم بعد كيف يبني مظلة.

غير أن ما يجري اليوم ليس مجرد حملة اعتقالات، إنه كسر لـ”الميثاق الصامت” الذي أقامته النخب السياسية من عام ٢٠٠٣ على أنقاض الدولة الصدامية. فالأسماء التي طالتها يد القانون لم تكن يوما في دائرة المساءلة، بل كانت محصنة بولاءات الدم والمحاصصة وشبكات النفوذ التي نسجتها بصبر بارد على مدى عقدين من النهب المنظم. كانوا يظنون أن “الدولة ضيعتهم”، لا أنهم خدامها.

الفساد في العراق لم يكن يوما ظاهرة فردية عابرة، بل كان “منظومة” لها هرميتها وطقوسها وفقهها الخاص في توزيع الغنائم. ومن يكسر مثل هذه المنظومة لا يكسر ملفات، بل يكسر معادلات وجودية بنت عليها عائلات بأسرها إمبراطورياتها. وهذا ما يجعل ما يقوم به رئيس الوزراء الحالي فعلا يتجاوز الإداري إلى ما يشبه “الاسترداد السياسي” للدولة من أيدي من اختطفوها.

لكن التاريخ يعلمنا الحذر. فالعراق بلد أضاع كثيرا من لحظاته الواعدة في متاهات الإرادات المتقاطعة والمصالح المتشابكة. والإصلاح الحقيقي لا تصنعه حملة مهما بلغت جرأتها، بل تصنعه مؤسسات راسخة وقضاء لا يخضع لـ”فقه المحاصصة”، وإرادة سياسية لا تنكسر أمام أول موجة من الضغوط.

العراق يفاجئ نفسه أحيانا. ولعل هذه المرة تكون المفاجأة التي لا تُنسى، لا التي تُدفن في أرشيف الوعود التي أكلها النسيان. بدء الزيدي بعملية جراحية استئصالية شديدة الصعوبة، فالعراقيون عامة يترقبون ويتابعون عن كثب نتائج هذه التطورات ويؤيدون جميع انواع مكافحة الفساد المنظم و المستشري في العراق، فذلك يعيد العراق الى بناء هيكلية دولة الحقيقية.

هنالك مبداء راسخ: كل سياسي فاسد حتى يثبت العكس. وحملات الاعتقال الأخيرة التي طالت نحو عشرين مسؤولا، من بينهم اثنا عشر برلمانيا، لا تزال حتى الآن حبيسة “صغار السماسرة والوسطاء”، فيما تبقى رؤوس الفساد الكبرى في مأمن تحت مظلة الحماية.

غير أن ذلك كله لا يلغي أن هذه الخطوة تخرق ثقبا في ذلك البالون العملاق المنتفخ بالسرقة والفساد، وأن لها صداها وأثرها. والحال يستحضر المثل القائل: “ما لا يدرك كله يترك جله.”

أما رئيس الوزراء الجديد، فيبدو أنه يُعدّ العدة مسبقا لزيارة واشنطن، ساعيا إلى أن يظهر بمظهر القوة والهيبة. وخريطة السلوك السياسي لبغداد في المرحلة الراهنة لا تعدو كونها عملية تجميل وـ”ماكياج” لاسترضاء ترامب وفريقه في البيت الأبيض، بل هناك توجه الى اصلاحات سياسية وتأسيس جمهورية جديدة.


مشاهدات 29
الكاتب أحمد فاتح محمد
أضيف 2026/06/28 - 12:43 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 3:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 187 الشهر 27582 الكلي 15903063
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير