الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الفرق بين السياسيّ العراقي واللّص

بواسطة azzaman

همسات ساخنة .. ومضات هادئة

الفرق بين السياسيّ العراقي واللّص

لويس إقليمس

 

سؤالٌ صريحٌ ووجيهٌ! ومن حقّ أيّ مواطن عراقيّ غيورٍ على أهله ومجتمعه ووطنه أن يوجّهه اليوم وكلّ يوم: هل هناك فرقٌ في صفوف ساسة العراق، تشريعيين وتنفيذيين وأحزابًا أميبية تكسّبية وصوليّة سعت وتسعى للمال والنفوذ والسلطة والجاه عملت في ظلّ الحكومات العراقية المتعاقبة منذ السقوط السافل في 2003 ولغاية اليوم وبين ما يعرفُه الشعب والعالم عن لصوصية هذه الفئات ممّن اقترنت بشكلٍ أو بآخر بقصة «مغارة علي بابا» اللصوصية التي سطت على خزائنها أحزابُ السلطة وأدواتُها  لصالحها دون الشعب؟ أمام ما ظهر مؤخرًا من كشف عمليات فسادٍ جديدة وفضح اشتراك زعامات أحزاب وكتل سياسية والعديد ممّن لا يستحقون تسميتهم بنواب الشعب ومَن على شاكلتهم من الأذناب والأدوات في مختلف مؤسسات شبه الدولة، لا بدّ أن يقف العراقيون الأوفياء للوطن والأرض والغيرة والحضارة والمؤمنون بالتعددية الثقافية والحرية والسهر على أمانة ثروات الشعب والحرص على المال العام، أمام فحص جادٍّ للضمير والشرف والغيرة الوطنية وتقرير «إمّا أن يكون العراق أو لا يكون» بعد أن طفح الكيل وبانت الخيسة والجيفة وبعدما استحق معظم «روّاد» المنظومة السياسية القائمة منذ 2003، أرذل الصفات وأتعس السمات وأقسى التوصيفات.

يومًا بعد آخر، تفتضح السلوكيات وأشكال الفساد التي وضعت ميزانية البلاد على طريق الإفلاس وجعلت الحكومات المتتالية تعاني من أشكال الفوضى في التخطيط غير الرصين والإحالات العشوائية «الاستثنائية» المليارية الدولارية والترليونية الدينارية لعقودٍ مشبوهة في معظمها لصالح جهات غير اختصاصية إلاّ ما ندر، ما نتج عنها عجزٌ قاتلٌ في إمكانية تسديد مستحقات المقاولين وتعثّر الإيفاء بدفع مرتبات أكثر من ثمانية ملايين موظف ومتقاعد ومضمون ورعاية اجتماعية صاروا يخشون على تأمينها في بداية كلّ شهر وسط دعوات رسمية وإشاعات شعبوية باللجوء إلى تقنينها حسب هوس ومصالح الساسة أو تخفيضها إذا لزم الأمر حتى لو حصل ذلك بالاقتراض الموجع والمجحف. وعلى ما يبدو فالصخب القائم هذه الأيام لم يأتي من فراغٍ. فالعوز المجتمعي الواضح  مقابل العجز الحكومي في دعم احتياجات المواطن ولاسيّما اصحاب الأرزاق الهشة نتيجةً لارتفاع أسعار السلع الأساسية في الأسواق بسبب لجوء الحكومة المهزوزة السابقة لإصدار قرارات عشوائية تخبطية منها زيادة الضرائب ورفع الرسوم والاقتراض داخليًا وخارجيًا، ما جعلها ترزح تحت ثقل ديون قاتلة وتسلّم ميزانية شبه خاوية لرئيس الوزراء الجديد. ولعلَّ الأغرب في هذه الديون ما سمعناه بإتيان بعضها من  زعامات أحزاب ادّعت فقرها وحاجتَها إلى مرتّب رعاية اجتماعية ما يعكس ظاهرةً ماكرة وتخفّيًا مفضوحًا بغطاء الدّين لم يعد ينطلي على العقلاء والمؤمنين بحب الوطن.

اللّص في السجن والسياسي في البرلمان

في مقطع نشره موقع «فيسبوكي» يجيبُ على تساؤل عنوان المقالة أعلاه، كي لا أُحَمَّلَ تبعة الردود والنشر. صديقٌ يسألُ صديقَه سؤالاً غير بريءٍ: «ما الفرق بين السياسيّ والنشّال أو اللصّ»؟ فيجيبُه جوابًا ساخرًا مضحكًا فيه شيءٌ من الدعابة والفكاهة: «أظنُّ أنّ كليهما يسرقُ، لكنّ اللصّ أو النشال يدخلُ السجن، أمّا السياسيّ فيدخلُ البرلمان».

 من هنا ومن غير هذا وذاك، ندرك أنّ الأزمة المالية التي يمرُّ بها العراق بعد إنفاق تريونات الدنانير على مرتبات دائمية غير مشروعة لصالح أطرافٍ خارجية أو أفرادٍ لا علاقة لهم بمصالح الوطن وانتماءاته أو لمتجنسّين غير نظاميين أصوليًّا أو على مشاريع هزيلة متسارعة التشييد بلا تخطيط ولا استراتيجيات عبر عقود مضخمة النفقات بشكل لا يُصدَّق وباضعاف مضاعفة في استحقاقاتها الإنفاقية والتسعيرية والكثير منها وهمية، لم تعد أزمة موارد ريعية أو مشكلة ناجمة عن سوء إدارة الموارد النفطية وغير النفطية فحسب. فالوقائع والحقائق أثبتت بما لا يقبل الشك  أننا نعيش أزمة منظومة سياسية متكاملة الأركان تحمي اللصوص تحت مسارات وتطبيقات ومفاهيم عديدة ناجمة عن نظام المحاصصة المقيت. وفي ذات الوقت فهي تقارع الوطنيين الشرفاء وتسعى جاهدة بكلّ قواها وأجهزتها القمعية لمعاقبة أصحاب الفكر والرأي والتعبير وتحييد بعضهم وزجّ مَن لا تستطيع لجمَهم في المعتقلات بسبب آرائهم السياسية وتصوّراتهم الوطنية الواقعية للمشهد العراقي أمس واليوم. إنها أزمة وطنية في زمن غاب عنه الرشاد والشعور بالانتماء للوطن وحقوق إدامة الحضارة التي انطلقت من أرض سنعار «العراق» كي ننام ونصحو على حقيقة الفساد الذي أصبح قاعدة وقانونًا وعلى النزاهة التي انقلبت تهمةً وجنايةً بحيث سُحق العدل تحت أقدام الجهلة من ساسة الصدفة وأدواتهم وداعميهم في الخفية والعلن وأحيانًا بدعمٍ من مراجع دينية ومذهبية وبغطاء العمامة. ولا عجبَ أن نشهد لمجتمع يمجّدُ بعضَ الفاسدين ويتراكضُ خلفَ التافهين ويشجّعُ المهرّجين بإعادة انتخاب بعضهم في كلّ مرةٍ رغم إدراكهم بلدغِهم مرةً واثنتين وثلاثًا وخمسًا عبر شراء ذممهم بدنانير مشبوهة المصدر وأحزاب وقحة السلوك وأفرادٍ تعلّموا الفساد وطرقَه على أيدي معلّمين صاروا خبراء في استكشافه ومتمرّسين في التعاطي معه ومع أصوله وجذوره وروّاده. وهكذا بالمقابل، يتم تهميش أصحاب الكفاءات كي تتصحر الأوطان وتخلو الساحات لهذه الفئات النافذة من مصّاصي دماء الشعوب بلا رحمة ولا خشية من خوف رب السماوات والأرض والعناصر بسبب تجاوزها جميعَ الخطوط الحمر وتحويلها لحكم البلاد والعباد إلى نفوذ عائلي وعشائري ومذهبي وإتني بغيض في جميع خطواته وتوجهاته.

أليست هذه من الكبائر التي تنهانا عنها الأديان السماوية بلا اختلاف ولا مواربة ولا مجاملة على واقع حقيقتها؟ حينها سندرك متأخرين ونشهد لحالة الانهيار بلا ندم ينفع في ساعة لا نريد رؤيتها والشهادة لها لكونها ستكون قاسية على الجميع، لاسيّما على أصحاب الرأي الناضج والرزق الباحث عن الحلال المتاح الذي سيقلُّ لغاية التلاشي والضمور بعد فراغ الوطن من مسوّغات أركانه الأساسية في القيادة والإدارة والقضاء التي ستتحول كلُّها إلى نقمة طاغية بحق شعوبها بسبب تغوّلها ومسك شؤون البلاد والعباد بأيادي سفيهة لا تعرف الرحمة ولا تؤمن بالحلال ولا تتعاطى بمشتركات المواطنة والوطنية إلاّ بما يخدم مصالحَها ويديمُ مكاسبَها عبر ما اختزنته وماتزال تختزنُه وتسرقهُ من ثروات وأموال وعقارات وحسابات بنكية خارج البلاد تكفيها لأجيال أجيالها مئات السنين. فليس لنا اليوم أن نسأل عن سبب إفلاس البلدان والحكومات، بل علينا أن نوجّه الأسئلة العديدة عن حقيقة ذمم المسؤولين في الدولة العراقية من ناهبي خزائنها ومفرغي ميزانياتها بشتى الوسائل بداعي مسميات عديدة ومنها التسارع والتهافت في عقود المشاريع غير الناضجة، الفاشلة منها والوهمية التي نهبت ميزانيات الوطن الجريح وأفرغت خزائنَه في انتظار احتظاره المؤجَّل، وهو قريب.

أزمة مستفحلة في المنظومة

 السياسية

 نحن بالتأكيد «نعيش اليوم أزمة منظومة مستفحلة ومعقدة في آنٍ معًا تحمي اللصوص وتحارب الشرفاء وتلاحق المنتقدين والمنتفضين ضدّ الباطل والظلم»، كما قالها غيرُنا. لقد كان بمقدور «السوداني»، رئيس الوزراء السابق أن يطبّق وينفّذَ رؤيتَه الاستراتيجبة حينما كان نائبًا شجاعًا طموحًا لشغل المنصب قبل سنوات من أجل إنقاذ ميزانية البلاد ورفدها بموارد عظيمة من خلال تقنين وتقليل مرتبات ومخصصات الرئاسات الأربع والدرجات الخاصة من درجة مدير عام فما فوق بحسب مقترحه آنذاك والذي لم يكن بحاجة إلى تشريع قوانين، بل جلّ ما كان يحتاجُه قرارٌ من مجلس الوزراء، كما قال وصرّح. لكنه حينما اعتلى المنصب، تجاهلَه وركنه على الرفوف لكونه إمّا صارَ شريكًا طاب له الحال أو متغاضيًا عنه وعن سائر السرقات وأعمال النهب خشيةً من إرهاصات الغير ممّن جعلوا منه بمنزلة «مدير عام» لتنفيذ الأجندات والاستمرار بما يُسمّى بسياسة «الشفط المالي» لتفقير البلاد وإفراغ الخزينة بشتى الوسائل والأدوات موالاةً وتقديمًا لفروض الطاعة لجهاتٍ خارجية دخيلة والطمطمة على السرقات التي زادت حدتُها في عهده.

في هذا الظرف الخانق، كلُّ ما يترقبُه الشعب العراقي والعقلاء والمثقفون وأصحاب الفكر والحكمة والغيرة والضمير من رئيس الوزراء الجديد «علي الزيدي»، بالرغم من قلّة خبرته السياسية وحيلته الدبلومساية ومحدودية تحرّكاته المرصودة حذرًا من الزعامات التي أتت به بإسنادٍ خفيّ من راعي العملية السياسية، أن يحسم أمرَ مستقبل البلاد لصالح الوطن والمواطنة بالقضاء الجّادّ على أركان الفساد وروّاده وأدواته بدءًا من أعالي الرفوف أي من «القمّة إلى القاعدة» وفرض رقابة صارمة ورفع الحصانة عن كلّ مَن يرد اسمُه في ملفات فساد أو تحقيقات جارية اليوم على قدمٍ وساق حتى لو طالَ ذلك زعامات سياسية من الصف الأول.

المتهمة بتقاسم الكعكة والمناصب والمكاسب مع أدواتها وشركائها في الداخل والخارج لكونها المسؤولة عن «تفليش البلاد ومؤسساتها السيادية». أمّا المناورة المكرّرة الجديدة القائمة حاليًا والمشكوك في صحة تلبيتها لحاجة الوطن والمواطن ادّعاءً بالإصلاح، فليس فيها من واقع الإصلاح المطلوب شيئًا. فهي في حقيقة أهدافها وغاياتها وسلوكها ليست سوى ذرّ الرماد في العيون لكونها تقوم على سياسة إعادة تقسيم المناصب والمغانم عبر تدوير مَن كانوا ومازالوا يوصفون «بنفايات السياسة» وإعادة تصديرها في المشهد السياسي بعد كلّ دورة انتخابية.

وكأنّ بطون أمّهات العراق «العظيم» لم يلدن غير هذه الفئات الموغلة في الفساد بمعظمها. حاشا عن قلّةٍ من الشرفاء فيهم من حاملي هموم الوطن والمواطن على أكفّهم وفي ضمائرهم وعلى ألسنتهم الصادحة. ففي الوطن اليوم كفاءاتٌ وطنية ونخبٌ نموذجية وعقولٌ شبابية وقدرات علمية ودماءٌ جديدة غير مستغلَّة بإمكانها نقل الوطن وأهله من واقعه البائس غير المنتج نحو حالٍ أفضل يزرع فيه بذورًا جديدة، ناضجة وطافحة بالخير والسلام والمحبة والتعايش والسعادة والرفاهة بأقلّ التكاليف إذا ما أُتيحت لهم الفرصة بعيدًا عن منظومة الفساد المستفحلة.

 حسبُنا الله في كلّ ظالم وفاسد ومفسد من أيّ دين أو مذهب أو مرجع أو عرق أو عشيرة أو مدينة أو منطقة! وفي الختام، يبقى لصوت الرجاء بغدٍ أفضل مرهونًا بيد القضاء وكلمتِه بالنطق الصارخ بوجه كلّ هؤلاء بعد تنقية هيكليته وتشذيبها وتنظيفها من شركاء الفساد والمنافقين والمستهينين بحق الوطن والشعب «البائس» الغافل منذ زمن على ذمّة مَن يعيدُ انتخابَهم في كلّ مرةٍ يُلدغُ فيها من جحره وهو لا يرعوي ولا يفطن لعظمة المشكلة. فالقضاءُ العادل النزيه وغير التابع هو الكفيل وحده بإعادة العراق إلى ريادته وهيبته وسيادته وتاريخه الحضاري والثقافي والتراثي والعلمي على السواء! وهو وحده القادر على حلّ أزمات البلاد المستفحلة منذ أكثر من عقدين ظالمين من الزمن المفقود بسبب رضوخ طبقات واسعة من الشعب فاقد القدرة على مواجهة الشرور والمفاسد القائمة بشجاعته المعهودة التي فقدها وارتهنَ بها مصيرَه بالشراكة مع الفاسدين. من هنا، لم يعد هناك فرقٌ بين السياسيّ الفاسد واللص المغامر.  فكلاهما سارقان وناهبان وساطيان لما ليس من حقهما.

 


مشاهدات 29
الكاتب لويس إقليمس
أضيف 2026/06/24 - 2:42 PM
آخر تحديث 2026/06/25 - 1:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 76 الشهر 23784 الكلي 15899265
الوقت الآن
الخميس 2026/6/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير