أربيل تعانق السماء بين مئذنة كبرى وجنائن معلقة
صلاح بكر
في قلب أربيل، حيث تنام الحضارة وتستيقظ على تراتيل المجد، تولد الأيام حبلى بالمعجزات. لم تكن 48 ساعة عابرة، بل كانت دفقات من حبر التاريخ الساعي نحو الخلود، صاغتها الكابينة الوزارية التاسعة بقيادة السيد مسرور بارزاني، لتثبتَ أن الأزمات مهما عتت، لا تزيد هذا الوطن إلا تجذرا وشموخا.
بدأت الحكاية بنفحة قدسية زلزلت أركان المدى حين أطلق مسرور بارزاني شارة البدء لتشييد «جامع بارزاني الكبير». لم يكن الأمر مجرد حجر أساس، بل كان إعلانا عن ولادة أكبر مسجد في العالم. مآذن ستشق عنان السماء، وقباب ستتسع لقلوب المؤمنين من شتى بقاع الأرض، لتغدو أربيل منارة روحية تتلاقى فيها التكبيرات مع دعوات السلام، وتسطر كوردستان بأحرف من نور حقبة جديدة من العظمة العمرانية.
ولأن كوردستانَ لوحة فنية لا تكتمل إلا بامتزاج ألوانها وتآخي أطيافها، لم يكد ينقضي يوم واحد على ذلك الحدث المهيب، حتى تفتقت عبقرية الإعمار عن معجزة أخرى في قلب «عنكاوا» النابض بالحياة، حيث مأوى الروح والوئام للمسيحيين. هناك، رعى السيد مسرور بارزاني افتتاح «منتجع وحدائق جنائن بابل المعلقة».
امتدت الأيدي لتفتتح الفردوس الأرضي، فامتزج شذى الياسمين بعبق البخور الكنسي. تحولت الجنائن إلى واحة غناء تختزل التاريخ البابلي وتزرعه في طين الحاضر. في هولير، تآخت المئذنة الكبرى مع أجراس الكنائس، ورسمت الجنائن المعلقة لوحة من التعايش السلمي الذي طالما كان هوية لكوردستان.
إنها الطفرة النوعية التي أحدثتها الكابينةُ التاسعة، تحدت الأعاصير السياسية والاقتصادية، وحولت الركام إلى قلاع من التطور والتقدم العمراني. لم يكن الافتتاح مجرد قص لشريط الحرير، بل كان إعلانا صارخا بأن هذه الأرض لا تقبل إلا بالقمم.
بين مسجد يحتضن العالم كأكبر صرح إيماني، وجنائن معلقة تعيد صياغة الجمال في عنكاوا، تمشي أربيل بخطى الواثقين نحو المستقبل. إنها حكاية وطن ينفض عنه غبار التعب، ليرتدي ثوب العز المنسوج من تضحيات شعبه وحكمة قادته، لتظل كوردستان، كما كانت دائما، أرضا للتلاقي، وموطنا للإعجاز الذي لا ينتهي.