الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من أكون بإعتقادكم؟

بواسطة azzaman

من أكون بإعتقادكم؟

كامل عبدالرحيم

 

تذكرت بالأمس رواية قرأتها في عقد الثمانينيات الملتهب والقاسي، عنوانها: (من أكون باعتقادكم) للكاتب روجيه غارودي، تداخل الأمر عندي واختلط بين رواية روجيه غارودي وأخرى كنت متأكدًا أني قرأتها تلك الأيام لريجيس دوبريه، وكان عنوانها، كما أتذكر، (اللامعترف به)، وكانت مع رواية أخرى أو مذكرات لدوبريه، وهي: (مذكرات بورجوازي صغير).

كلا الكاتبين (غارودي ودوبريه) فرنسي، وكلاهما شيوعي أو يساري ماركسي انقلب على نفسه، وهذا الأمر، أقصد الانقلاب على الذات، هو ما يهمني أو يجذبني.

لم أكتب شيئًا على صفحتي منذ أسبوع، لانشغالي بلقاء وجدت نفسي فيه يحاول إيجاد صيغة لقوى وتيارات اليسار العراقي، وأنا أكتب لنفسي كنوع من التوازن النفسي أو الولادة، فالمخاض مع الماضي وهفواته وأسراره مؤلم، ولا خلاص من المخاض إلا بالولادة.

عاش غارودي قرنًا كاملاً (19132012)، وبدأت شهرته هنا بكتابه (واقعية بلا ضفاف)، وهو أول تلويحة للخروج من المقاسات الستالينية الفظة للأدب والسياسة والحياة. جعلنا كتاب (واقعية بلا ضفاف) نبحر في متاهات الأدب وشواطئه البعيدة، من غير أن يتهمنا أحد بـ(التجديف).

بصراحة، لم يتغير الأمر كثيرًا، رغم إحلال (الواقعية السحرية) والفنطازيا والسريالية محل (الواقعية الاشتراكية). أما ريجيس دوبريه، الذي كان رفيقًا لجيفارا في أمريكا اللاتينية يومًا، وإن بصفة صحفي، لكنه كتب (ثورة في الثورة) عام 1966، قبل الالتحاق بجيفارا في بوليفيا، وبعد مقتل جيفارا سُجن دوبريه حتى العام 1970، ليطلق سراحه بعد حملة تضامن عالمية.

 في العراق، نادرًا ما تسنح لك الظروف بمراجعة مواقفك أو الانقلاب على ذاتك، فتلاحقك (حماقات) المراهقة أو تجلياتها مثل ختم العبودية. ومن الطبيعي أن تكون يساريًا هنا، وربما العكس هو غير الطبيعي، لكن الاختيار والمواقف لها ثمن باهظ. فإذا لم يقبض الجلاد روحك، ستخسرها في مقايضة مع الشيطان، ولطالما كانت المسافة بعيدة، وحتى مستحيلة، بين نفسك وصورتك عند الآخرين، أو بين قلبك ولسانك. ولا تكمن الخطورة في الأثمان المترتب دفعها جراء كونك يساريًا أو ماركسيًا أو شيوعيًا، فهناك (وهم الأغلبية) يجيدون ويجدون منفعتهم وذواتهم في تلك القشرة الهشة من المخاطر. ولم أكن أحمق بما يكفي لإيمان أعمى بقضية موضوعة للبيع والإيجار والمساومة، لكني، بالمقابل، لا أجيد التراجع. وفي كل الأحوال، وجدت نسختي الخاصة من الماركسية، والتي كانت نسخة متطرفة، فيما كانت معركة الإلغاء تدور في (الوسط). معادلة صعبة لا يمكن وصفها، حيث يمنحك كل هذا حياة أخرى، لكنها حياة منزوعة الدسم، فتمر السنين والعقود مقتنعًا بأن آلهة ما، بحاسوبها الخرافي، تسجل لك شجاعتك أو نظافتك من كل صفقة صغيرة، وامتد اليباب، وطال اجتياز الصحراء، وحينما وصلت النهاية، أو وصلوا هم النهاية، وجدت الصحراء سكنت روحك، وتحول رفاقك إلى جلادين، والشهداء إلى أرقام في حاسبة المؤسسة، وسالت الدماء نقودًا، والأهالي الذين سلموا أبناءهم للديكتاتور قبضوا الثمن.

 كم دفعت ثمن هذه الكلمة (شيوعي)، رغم عدم انتمائي للحزب الشيوعي. الانتماء قد يعني شيئًا آخر، فهو طريقة جلوسك على ضفاف المجرة، وطريقة سماعك للأخبار، وكيف تتكلم، وكيف تحب وتكره. يخطر في بالي الآن العديد من الأصدقاء والأسماء، وكيف كانوا يصرفون يساريتهم أو شيوعيتهم بطريقة صامتة نبيلة.

 لا أحتاج الانقلاب على نفسي، فلدي ماركسية تخصني، ليست جامدة، وتغيب وتعود، لكنها أخذت مني كل شيء، وتركتني على طريق مهجور أنتظر ثورة مستحيلة، وكلما رأيت بوادرها أهب إليها، فإذا بها سراب.

(الإنسان كومة بائسة من الأسرار)، أظنني قرأت هذه المقولة في كتاب (اللامذكرات) لأندريه مالرو، وتلك الكومة البائسة تترفع عن التصنيف الطبقي، ويمتد البؤس الروحي عند الضحية والجلاد، وربما يتساوى الظالم والمظلوم والغني والفقير في هذا البؤس. أما مقولة تولستوي: (كل العائلات السعيدة تتشابه قصصها، أما العائلات الفقيرة فلكل واحدة قصتها)، فهي قد تكون ببلاغة البيان الشيوعي، وكنت قد دخلت السياسة واليسار من هنا، ومن هذه النقطة. ومهما أبحرت في نظرياته وخلافاته ورؤاه، فأنا أنتمي لتلك القصص اللانهائية للعائلات التعيسة، وهذا التنوع المنبثق من عمق الشرط الإنساني هو قوة اليسار، ومقتله في تبسيطه إلى قاموس صغير يحمله الرفاق في جيوبهم.

لا يعني اليسار بالنسبة لي التعصب الأعمى لثورة 14 تموز والدفاع عن زعيمها، رغم انحيازي للاثنين، لكني مستعد لسماع المختلفين، وحتى البحث عن مشتركات أخرى حول قضايا قد تكون أهم. حين بدأت يساريتي عدت إلى الأصول، وكان جيلي يكتفي بالمرويات المعروفة عن ثورة أوكتوبر، والتي ترددها الأحزاب الستالينية، فامتد فضولي إلى ما هو أبعد، وكم كانت الأرصفة غنية بالكتب تلك الأيام، لكن من يقرأ؟! فقرأت ثلاثية (أ. ه. كار) ثورة البلاشفة، وهو مؤرخ بريطاني محايد، وهذا قادني إلى (تأريخ الثورة الروسية) لـليون تروتسكي، فتعلمت من هذا أن قوة الأفكار في صياغتها، وليس فقط ماهيتها. وقبل أن أقرأ كتيب تروتسكي الآخر  (الأدب والثورة)، أيقنت أن الثورة تجاوز أدبي قبل كل شيء، ومن هنا قادني الرصيف إلى كتب (إسحق دويتشر)، وأولها  (ستالين)، فتعلمت أن الأدب الحقيقي لا يطرد التأريخ أو يتعارض معه، بل هو نفسه. ومنذ العام 1970، وهو بداية انتمائي إلى يساريتي الخاصة، عندما حاولنا (أنا وصديقي المرحوم إحسان وصفي عبد الجليل)، وكنا في الصف الخامس العلمي، حاولنا التطوع للمقاومة الفلسطينية بعد سماعنا بمجازر أيلول ضد الفدائيين الفلسطينيين في الأردن، ولما لم نجد لذلك سبيلًا اكتفينا بالتبرع بالدم. منذ 1970 حتى 2003 صارعت الوحش الديكتاتوري بطريقتي، وفي 2003 كان عمري

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 19835 الكلي 15895316
الوقت الآن
الأحد 2026/6/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير