الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من ادب السجون.. عبد الحميد الخاصكي

بواسطة azzaman

من ادب السجون.. عبد الحميد الخاصكي

ظافر جلود

 

لا يتكلم كثيرا الا حينما يساءل رجل بسنه المتقدم كان أولى باي حكومة او نظام مهما ما كان لونه وقسوته وجبروته عليه ان يرعى حرمة كبير السن، لا ان يزجه بسجون ومعتقلات رهيبة، بل يضعه تحت سوط التعذيب والقهر..

الأستاذ والمعلم المتقاعد عبد الحميد الخاصكي الذي ينحدر من مدينة الخالص في ديالى، رجل كيس وذو اخلاق رفيعة وقد وصل إلى سن 80 عاما قضاها بالعلم والتعلم والمعرفة، والان معنا في الزنزانة التي تقع في الطابق الثالث من مقر الامن العامة بالبتاوين وسط بغداد. ففي مساء احدى تلك الايام العصبية قذف به رجال الامن والحراس إلى الزنزانة حيث نحن مع ابنه محمد شاب في أواخر العشرينيات من عمره بلا اي رحمة، بل شتائم وضرب (جلاليق).

نعم كانت الزنزانات مزدحمة بالمعتقلين وكان الجو حار وساخن جدا، وكان الرجل الوقور قد تصبب العرق من كل مكان من جسمه.. جلس بعض الوقت وابنه محمد بالممر الطويل لكن حرس الزنانة طلبوا منه الدخول لإحدى الزنزانات جبرا..

 دخل عبد الحميد في الزنزانة المقابلة لزنزانتي بينما وضع ابنه محمد في زنزانة مجاورة..

رتب اصحاب تلك الزنزانة مكانا لعبد الحميد رغم ضيق المكان احتراما وتقديرا لشيبته..

 كنت أراقبه ورغم الحر الشديد رقد الرجل بسرعة حيث يبدو ان أرغم على عدم النوم لأيام طوال حينما كان يحقق معه، ولكن ابنه محمد طلب قران ليقرأ فيه..

وعند الصباح نهض عبد الحميد مبكرا وهو ينادي على ابنه محمد ليدعوه للصلاة مما أيقظ النزلاء فمنهم من قام للصلاة معه ومنهم من بدأ بتلاوة القران..

كان محمد شابا مفتول العضلات مبتسم مؤمّن بقدره لأنه مؤمن برسالته التي يحملها بالجهاد ضد نظام قاهر فاسد او كما كان يقول لي نظام كافر..

محمد منتمي صراحة لحزب الدعوة الإسلامي هو أشقاؤه الثلاثة الفارين حيث تبحث الأجهزة الأمنية عنهم.

تدبَّر الموقفين أمرَهم بصنع ما يُشبه المكان رغم الزحمة وغُلف بالبطانيات لتدفئتهم ورفع الحرَج عنهم بحجز الأنظار والعيون عن أجسادهم المجردة من كل شيء حتى من الجلد.

نجَا عبد الحميد من الموت جراء التعذيب القاسي وهو رجل كهل، وكان يربط مكتوف الايدي عند جلاب في السقف، بحيث يظل جسده عليلا طوال ما بقى من حياته مما ستحمل ذكرى لحظة القبض عليه.

لم يجرِ تحقيق عادل معه مع ان تهمته هي ارتباطه بقضايا أولاده السياسية لكن قسوة المحققين الاغلاظ لا ترحم الكبير والصغير.

هدوء عبد الحميد مرهون من خشيةَ اضطراره من الخوف الى مزيد من العقاب، خاصة وانه وجد ان بعض الموقفين ومع تردِّي وضعهم الصحي العام كان العقاب اليومي حتى يحمل للموقف وهو فاقدا للوعي، وبالتالي يشاهد يوميا كيف يتحول الموقف إلى مذبحة حقيقية.

بعد ان فتحت أبواب الزنزانات في الصباح حيث الممر الرابط بينها التي كان الوسيلة الوحيدة لإعادة اللياقة بالمشي ذهابا ومجيئا، وقد شهد هذا الممر حكاياتٍ وقصص كثيرةً من قصص يرويها الموقفين عن قَتْل سُجناء جراء التعذيب الوحشي أو سحب جثث آخرين بعد أن قضَوا مرضًا وجوعًا.

وكان حرس المعتقل ينصت بعيون مفتوحة، فق سِرتُ تلك الليلة وأنا مغطَّى الرأس بمنشفة مغموسة بالماء للتبريد، كنت انظر من تحتها لوجه الخاصكي المتعب، كنت أمشي معه وئيدًا وبتروي.

نهرَنا أحدُ رجال الأمن يستعجلُنا المشيَ لان الوقت قد ازف على النهاية، إلَّا أننا كنَّا نبذل قُصارى ما عندنا للبقاء واقفين وألَّا نهويَ إلى الأرض، وكان المشي بالنسبة لنا مهمةً عسيرة للغاية، فقال له صاحبه السجان ردًّا عليه: «اتركهم، كلُّها أسبوعان ثلاثة ونخلص منهم للأبد"..

 بدا الاستاذ عبد الحميد في حديثه معي وقد اطمان لي انه ذو علم بأعمال أولاده لكنه تحمل وزر انتماء أولاده بالسجون والمعتقلات والتعذيب ومطالبته بالكشف عن مكان اختفاءهم من الامن..

ولكونه لا يعلم عنهم شيئا فإنه معرض للتعذيب حيث لايزال آثاره على جسده الضعيف..

كان ضباط التحقيق يطلبوه يوميا للتحقيق معه بنفس السؤال مع ابنه محمد عن مكان اختفاء علي وحسين علما أنهما طلبة جامعة بغداد قسم الهندسة فصلا منها قهرا..

قال عبد الحميد، 81 عامًا، وهو من سكان مدينة الخالص بديالى، إن مشكلته بدأت عندما بلغ أكبر أبنائه الثلاثة السن القانونية للانضمام إلى حزب البعث، لكنه لم يفعل.

وأضاف: "بدأ بعض البعثيين في الحي يتساءلون عن سبب عدم انضمام أي فرد من عائلتي إلى الحزب، قائلين إنه مع هذا العدد الكبير من الأطفال، قد تُسبب عائلتي المشاكل". "وسألوا: لماذا لا تنضم أنت أو أبناؤك؟ نعتقد أنك في حزب معارض". "

 كان لدي اسئلة تدور في خلدي في الدين والمذهب والسياسة والتعليم كنت اساله بها اليه بعد ان وطت علاقتي به وابنه محمد.. كان يجيب بكل رحابة صدره وبدون تردد لأنه يدرك ان المعرفة والعلوم كنز يجب ان ينقل للآخرين.. كان تقيا مؤمنا بمعرفة واسعة..

ففي كل مرة كنت اضحك منهم لا بل اسخر من كلامهم، دولة باطشة قاهرة لا تستطيع اكتشاف مخبأ المجاهدين، وهذا يزيد من غضبهم واصرارهم على مجيئ معهم حيت مقر الحزب في القضاء.

قضيت مع ولدي محمد في امن ديالى لمدة لا تقل عن سنة في صيف لاهب ومكان لا تدخله أي نسمة هواء باردة او جافة.. بعد التحقيق ومزيدا من التعذيب الجسدي والنفسي سقت وابني محمد الى محكمة الثورة فحكم القاضي عواد البندر علينا بالمؤبد دون سماع اعتراضاتنا وحتى دون سماع تقرير محامي الدفاع الذي يبدو وهو منهم.

وحينما علم بان ولداه قد تم القبض عليهم بوشاية من جيرانهم حمد الله وشكره.. لأنه يعتقد ربما سيفرج عنه، لكن نظام قاسي لا يملك الرحمة والعطف أحاله مع أولاده إلى محكمة الثورة..

وكان قد سبقني ا الأب وأبناءه الثلاثة إلى المحكمة وحكم المجرم المقبور عواد البندر بوصاية اللجنة الأمنية في رئاسة الجمهورية ومكتب الرئيس على إعدام علي وحسين بينما حكم على الأب عبد الحميد بالسجن المؤبد وكذلك ابنه محمد بنفس الحكم..

وحينما تقابلنا في خاصة ابو غريب استقبلني بالحمد والشكر لأنني خرجت من محكمة عواد البندر بسجن والبقاء على قيد الحياة

جلسنا بعض الوقت كان حزينا على اعدام ولديه لكنهما الان عند رب كريم عطوف، ولأنهما كان مؤمنان بان الجهاد لله نهايته الجنة..

مات عبد الحميد في سجن الخاصة وحمل السجناء جثمانه وطافوا به كل ارجاء السجن بموكب رهيب احتراما لهذا الرجل الذي ضحى بحياته وحياة ولديه للعراق.. أما آخر كلماته لي. لابد للظلم ان ينتهي.. وان ايام النظام قصيرة، وربما لأيام.

•           القصة من المجموعة الثانية " مذكرات سجين سياسي " بعنوان " ثورة الموتى " التي ستصدر قريبا ببغداد

 


مشاهدات 58
الكاتب ظافر جلود
أضيف 2026/06/17 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/06/18 - 1:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 107 الشهر 17034 الكلي 15892515
الوقت الآن
الخميس 2026/6/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير