الثقة والإحتواء أساس بناء شخصية الطفل
خبيرة: التربية ليست إختباراً للكمال بل رحلة صناعة إنسان الغد
الأحساء- زهير بن جمعة الغزال
في زمن تتسارع فيه التحديات التربوية وتتداخل فيه تأثيرات الأسرة والمدرسة والعالم الرقمي، أصبحت الحاجة ملحة إلى بناء وعي تربوي جديد يقوم على الفهم والاحتواء أكثر من الأوامر والعقوبات، وبينما يواجه الآباء والأمهات أسئلة يومية حول كيفية التعامل مع العناد والعنف والتنمر والأجهزة الإلكترونية، تبرز أهمية الاستفادة من خبرات المختصين لفهم احتياجات الطفل النفسية والسلوكية بصورة أعمق.
بناء الثقة
وفي هذا الحوار، تتحدث الأخصائية الاجتماعية والمؤلفة «جوهرة بنت فؤاد المطر» عن أبرز التحديات التي تواجه الأسر، وتقدم رؤية متوازنة للتربية الحديثة، مؤكدة أن بناء الثقة داخل المنزل هو الأساس الذي تنطلق منه كل القيم والسلوكيات الإيجابية، وأن الطفل لا يحتاج إلى والدين مثاليين بقدر حاجته إلى والدين واعيين قادرين على التعلم والتطور معه في كل مرحلة عمرية.
□ كيف تنظرين إلى مفهوم التربية الصحيحة في ظل التغيرات المتسارعة التي يعيشها المجتمع؟
- التربية الصحيحة تبدأ من بناء علاقة قائمة على الثقة والاحتواء بين الوالدين والطفل، وعندما يشعر الطفل بالأمان النفسي يصبح أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره وأفكاره دون خوف، وأما الاعتماد على التخويف والترهيب فقد يحقق انصياعا مؤقتا فقط، لكنه لا يصنع شخصية قوية أو مستقلة، بل إن هذا الانصياع يختفي غالبا بمجرد غياب الرقابة المباشرة للوالدين.
□ البعض يلجأ إلى الصراخ والعقوبات القاسية لتعديل سلوك الأبناء.. ما رأيك؟
- الصراخ والمبالغة في العقاب من أكثر الأساليب التي تؤدي إلى نتائج عكسية، فالطفل حين يشعر بالخوف يبدأ في إخفاء أخطائه بدلا من الاعتراف بها، ويتحول هدفه إلى تجنب العقوبة لا إلى فهم الخطأ وتصحيحه، لذلك نحن بحاجة إلى أساليب تربوية تقوم على الحوار والتوجيه والوضوح في القوانين الأسرية.
□ كيف يمكن التعامل مع الطفل العنيد أو سريع الغضب؟
- أولًا يجب أن نؤكد قاعدة مهمة جدا وهي أن العنف مرفوض، لكن الطفل نفسه غير مرفوض، بمعنى أننا نرفض السلوك الخاطئ دون أن نرفض الطفل أو نقلل من قيمته، كما ينبغي البحث عن الأسباب الحقيقية وراء العناد أو الغضب، فقد يكون الطفل يعبر عن احتياج أو شعور لا يستطيع التعبير عنه بالكلمات، ومن المهم أيضا تزويده بسلوكيات بديلة مناسبة، مع تطبيق نتائج منطقية ترتبط مباشرة بالسلوك الخاطئ، بعيدا عن الصراعات اليومية أو معارك القوة بين الأهل والطفل.
□ ما الضوابط التي يجب أن تتوافر في العقاب التربوي؟
- العقاب التربوي لا بد أن يكون خالي من أي أثر نفسي أو جسدي سلبي، وهناك ثلاثة ضوابط أساسية أراها ضرورية، أولها أن يكون العقاب مرتبطًا بالموقف نفسه وأن يتم بصورة مباشرة بهدف التوجيه وليس الانتقام، وثانيها أن يشرح الوالدان للطفل سبب العقاب حتى يدرك العلاقة بين السلوك والنتيجة، أما الضابط الثالث فهو عدم الانشغال بالانتقادات المجتمعية السلبية، لأن القرار التربوي مسؤولية الأب والأم في المقام الأول.
□ هناك من يعتقد أن التربية الحديثة مرادف للتدليل الزائد، كيف تردين على ذلك؟
- هذا من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارا التربية الحديثة لا تعني إطلاقا التدليل أو التساهل المطلق، وإنما تعني تحقيق توازن ذكي بين الحزم والاحتواء، فالطفل يحتاج إلى الحب كما يحتاج إلى الحدود والقواعد الواضحة، كما أن المبالغة في الحماية والرعاية قد تخلق لديه شعور غير واقعي بالتفوق أو الاستحقاق، وهو ما ينعكس لاحقا على قدرته في الاندماج الاجتماعي والتعامل مع تحديات الحياة.
□ هل تؤيدين إجبار الأطفال على أداء الواجبات الدراسية؟
- في المراحل العمرية المبكرة لا أفضل أسلوب الإجبار، بل أرى أن التحفيز والتعزيز الإيجابي أكثر فاعلية واستدامة، عندما يشعر الطفل بالإنجاز ويحصل على تشجيع مناسب، يصبح أكثر استعدادا للتعلم، أما الضغط المستمر فقد يحول الدراسة إلى عبء نفسي بدلًا من أن تكون تجربة ممتعة ومفيدة.
□ كيف يمكن للوالدين تنمية الاستقلالية لدى الأبناء؟
- بناء الطفل المستقل يبدأ من منحه فرص مناسبة لاتخاذ قرارات بسيطة تتناسب مع عمره، كاختيار ملابسه أو ترتيب بعض شؤونه الخاصة، كما ينبغي أن نسمح له بتحمل النتائج الطبيعية لبعض قراراته البسيطة، لأن ذلك يعزز ثقته بنفسه ويعلمه المسؤولية تدريجيا.
□ هل تقع مسؤولية التربية على الأم أكثر من الأب؟
- على العكس تماما، التربية مسؤولية مشتركة ومتوازنة بين الأب والأم، وجود أحد الطرفين وحده لا يكفي لتلبية جميع الاحتياجات النفسية والتربوية للطفل، وعندما يغيب أحد الوالدين عن دوره الحقيقي تنشأ فجوة قد تؤثر على شعور الطفل بالاحتواء والأمان والانتماء.
□ وماذا عن دور الأجداد والأقارب في عملية التربية؟
- الأسرة الممتدة سلاح ذو حدين، قد تكون مصدرا مهما للدعم العاطفي وتعزيز الروابط الأسرية، لكنها قد تتحول إلى عامل إرباك إذا كانت الرسائل التربوية متناقضة بين الحزم الشديد من طرف والتدليل المفرط من طرف آخر، وهنا يأتي دور الوالدين في إدارة هذه العلاقة بحكمة ومرونة، مع الحفاظ على وحدة القوانين التربوية الأساسية.
□ تحدثتِ كثيرا عن التدخل المبكر للأطفال من ذوي طيف التوحد، لماذا يعد ذلك مهما؟
- لأن التدخل المبكر يصنع فارقا كبيرا في حياة الطفل ومستقبله، كلما تم اكتشاف الحالة وبدأت برامج التأهيل مبكرا زادت فرص تنمية المهارات الاجتماعية والتواصلية والاستعداد للاندماج في البيئة التعليمية.
□ ما أبرز الجوانب التي تركز عليها برامج التدخل المبكر؟
- تركز بصورة أساسية على تنمية مهارات التواصل الاجتماعي، وتعليم الطفل تبادل الأدوار والتفاعل مع الآخرين، ومساعدته على التعبير عن احتياجاته بطريقة مناسبة، بالإضافة إلى تنظيم السلوك من خلال تقديم بدائل إيجابية ومناسبة للمواقف المختلفة.
□ ما الرسالة التي توجهينها لأسر الأطفال من ذوي طيف التوحد؟
- أدعوهم إلى استيعاب الفروق الفردية بين الأطفال وعدم الوقوع في فخ المقارنات، فلكل طفل قدراته الخاصة ومواهبه التي يمكن تنميتها، المقارنة المستمرة بالآخرين لا تحقق التطور، بل قد تؤدي إلى الإحباط لدى الطفل والأسرة معا.
□ كيف ترين التعامل مع الأجهزة الإلكترونية في حياة الأطفال؟
- منع الأجهزة الإلكترونية بشكل كامل أصبح أمرا غير واقعي في عصرنا الحالي، لذلك فإن الحل يكمن في التوعية والتقنين، يجب أن يدرك الطفل فوائد التقنية ومخاطرها في الوقت نفسه، مع تنظيم أوقات الاستخدام بما يحميه من المشكلات المرتبطة بالإفراط مثل تأخر النطق والعزلة الاجتماعية وقلة النشاط البدني والسمنة.
□ وما الأسس الصحيحة للحماية الرقمية؟
- الحماية الرقمية تبدأ بالحوار الأسري المستمر، كما ينبغي الاستفادة من أدوات الرقابة الأبوية وحجب المحتوى غير المناسب، لكن دون أن يشعر الطفل بأنه مراقب بطريقة تفتقد الثقة، الهدف النهائي هو بناء رقابة ذاتية داخلية تجعل الطفل قادرا على اتخاذ قرارات آمنة حتى في غياب والديه.
□ التنمر من أبرز القضايا التي تؤرق الأسر، كيف يمكن مواجهته؟
- الوقاية هي الخطوة الأولى، يجب أن يشعر الطفل بأن منزله مساحة آمنة يستطيع الحديث فيها عن أي مشكلة دون خوف أو لوم، كما أن تدريب الأطفال على مواقف افتراضية ومحاكاة مواقف التنمر يساعدهم على اكتساب مهارات المواجهة واستخدام عبارات واضحة وحازمة مثل «لا» و»توقف»، وهنا يتكامل دور الأسرة مع المدرسة في بناء شخصية قوية ومتوازنة.
□ متى يجب على الأسرة الاستعانة بالأخصائي النفسي؟
- هناك علامات تستدعي الانتباه، منها العزلة المفاجئة، أو التأخر الملحوظ في النطق، أو التوقف المفاجئ عن الطعام، أو الزيادة الحادة في السلوكيات العدوانية والعنيفة، هذه المؤشرات لا ينبغي تجاهلها، بل تستدعي التقييم والمتابعة مع المختصين.
اخصائي نفسي
□ البعض لا يزال ينظر إلى العيادات النفسية باعتبارها وصمة اجتماعية، ما تعليقك؟
- هذه النظرة بحاجة إلى تغيير، مراجعة الأخصائي النفسي دليل على وعي الأسرة وحرصها على صحة أبنائها النفسية، وليست مؤشرا على وجود مشكلة مخجلة، بل إن التدخل المبكر يسهم في رفع جودة حياة الأسرة واستقرارها ويمنع تفاقم الكثير من المشكلات مستقبلا.
□ ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى الآباء والأمهات؟
- رسالتي لكل أسرة أن الطفل لا يحتاج إلى والدين كاملين أو مثاليين بنسبة مئة في المئة، التربية ليست اختبارا للكمال، بل رحلة طويلة نتعلم فيها كل يوم ونكتسب خبرات جديدة باستمرار، كما أدعو الأمهات إلى تجنب الاحتراق التربوي الناتج عن السعي المستمر نحو المثالية أو جلد الذات عند الوقوع في الأخطاء، والطفل يحتاج إلى والدين ينصتان إليه، ويحترمان مشاعره وخياراته، ويمنحانه الحب والحزم في آن واحد، فالسلوك الذي نزرعه اليوم في أبنائنا هو الصوت الذي سنسمعه منهم غدا، ولذلك يبقى التوازن والاعتدال، بعيدا عن الإفراط في التدليل أو البخل العاطفي، هو الطريق الأكثر أمانا نحو تربية ناجحة ومستدامة.