الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة معرفية في النهضة الحسينية.. كربلاء بين العاطفة والوعي

بواسطة azzaman

قراءة معرفية في النهضة الحسينية.. كربلاء بين العاطفة والوعي

عباس النوري 

 

المقدمة

تمثل واقعة كربلاء إحدى أهم الأحداث المفصلية في التاريخ الإسلامي، ليس بسبب حجم المأساة الإنسانية التي وقعت فيها فحسب، بل لما حملته من أبعاد فكرية وأخلاقية وحضارية ما زالت حاضرة في وجدان الأمة حتى اليوم. وقد أولى أئمة أهل البيت عليهم السلام أهمية كبيرة لإحياء ذكرى عاشوراء، لما تحمله من قدرة على حفظ الرسالة الإسلامية الأصيلة وبناء الوعي الجمعي للأمة (1).

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه في كل عصر هو: هل يكفي إحياء المصيبة وإظهار الحزن عليها، أم أن المطلوب هو فهم الرسالة الكامنة وراء هذه النهضة واستلهام دروسها في بناء الإنسان والمجتمع؟

إن هذا البحث ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن النهضة الحسينية ليست مشروعاً للعاطفة وحدها، بل مشروعاً متكاملاً لبناء الوعي ومقاومة التزييف والانحراف.

أولاً: الحسين مشروع إصلاح لا مشروع سلطة

حدد الإمام الحسين عليه السلام بنفسه الهدف الأساسي من نهضته عندما قال:

«إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر» (2).

تكشف هذه الوثيقة التاريخية عن أن جوهر النهضة الحسينية كان مشروع إصلاح شامل يستهدف إعادة تصحيح مسار الأمة بعد أن تعرضت منظومة القيم الإسلامية إلى انحرافات خطيرة.

ومن هنا فإن كربلاء ليست مجرد معركة عسكرية، بل حركة إصلاحية أخلاقية وفكرية واجتماعية.

ثانياً: البعد المعرفي في النهضة الحسينية

تشير زيارة الأربعين إلى أحد أهم أهداف النهضة الحسينية بقولها:

«وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة» (3).

إن هذه العبارة تكشف أن المشكلة الأساسية التي واجهتها الأمة لم تكن عسكرية أو سياسية فحسب، بل كانت أزمة وعي وإدراك.

فالجهالة هنا لا تعني الأمية، بل فقدان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الدين الأصيل والدين الذي جرى توظيفه لخدمة السلطة.

ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار النهضة الحسينية مشروعاً لتحرير العقل والضمير قبل أن تكون مشروعاً لمواجهة الظلم السياسي.

ثالثاً: كيف وصل المجتمع إلى قتل الحسين؟

من أهم الأسئلة التي يجب أن تطرحها القراءة المعاصرة لكربلاء:

كيف تمكنت السلطة الأموية من الوصول إلى مرحلة يُقتل فيها سبط رسول الله صلى الله عليه وآله؟

إن الإجابة تكشف أن الانحراف لم يبدأ بالسيف، بل بدأ بتزييف الوعي.

فقد نجحت السلطة في صناعة خطاب ديني وسياسي يبرر ممارساتها ويمنحها الشرعية، حتى أصبح كثير من الناس عاجزين عن رؤية الحقيقة كما هي.

وهذا الدرس لا يخص القرن الأول الهجري فحسب، بل يمتد إلى كل عصر يمكن فيه للإعلام والدعاية والتضليل أن تعيد تشكيل وعي الجماهير.

رابعاً: إحياء الأمر بين العاطفة والمعرفة

ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:

«أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا» (4).

وعندما سئل الإمام الرضا عليه السلام عن كيفية إحياء أمرهم قال:

«يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا» (5).

وتكشف هذه الرواية بوضوح أن إحياء القضية الحسينية لا يقتصر على البكاء وإقامة المجالس، بل يشمل التعلم والتعليم ونشر الوعي والمعرفة.

وعليه فإن المجلس الحسيني يؤدي وظيفته الحقيقية عندما يجمع بين حرارة العاطفة ونور البصيرة.

خامساً: خطر تشويه النهضة الحسينية

كما تعرض الإمام الحسين عليه السلام للتشويه الإعلامي والسياسي في حياته، فإن نهضته معرضة في كل عصر لمحاولات التشويه والتحريف.

وقد تأتي هذه المحاولات من جهات معادية، كما قد تأتي من ممارسات غير واعية داخل المجتمع نفسه.

ومن أبرز صور التشويه:

اختزال النهضة الحسينية في البعد العاطفي فقط.

نشر الروايات الضعيفة وغير الموثقة.

إهمال الأهداف الإصلاحية الكبرى للنهضة.

تقديم ممارسات وسلوكيات تسيء إلى صورة الإسلام وأهل البيت.

تحويل القضية الحسينية إلى أداة للصراع السياسي أو الاجتماعي.

إن أخطر أنواع التزييف هو ذلك الذي يفرغ الفكرة من مضمونها مع الإبقاء على شكلها الخارجي.

سادساً: الحاجة إلى المناعة الفكرية

إن المجتمعات التي لا تمتلك مناعة فكرية تصبح أكثر عرضة للتضليل مهما كانت نوايا أفرادها حسنة.

ومن هنا تظهر الحاجة إلى بناء ما يمكن تسميته بـ"المناعة الفكرية الحسينية"، والتي تقوم على:

التثبت من الأخبار والروايات.

تنمية التفكير النقدي.

تعزيز الوعي الإعلامي.

فهم مقاصد الدين وأهدافه.

تربية الأجيال على البصيرة وتحمل المسؤولية.

وقد أشار الإمام علي عليه السلام إلى هذه الحقيقة بقوله:

«إنما البصير من سمع فتفكر، ونظر فأبصر، وانتفع بالعبر» (6).

سابعاً: كربلاء وبناء الإنسان

إن أعظم نجاح للنهضة الحسينية لا يتمثل في بقاء ذكرها حية فحسب، بل في قدرتها على صناعة الإنسان الواعي.

فالإنسان الحسيني الحقيقي هو:

الصادق في قوله.

العادل في حكمه.

الحر في إرادته.

المسؤول في مواقفه.

الواعي في تعامله مع الأحداث.

وعندما تتحول قيم كربلاء إلى سلوك يومي فإن عاشوراء تصبح مشروعاً دائماً لبناء الفرد والمجتمع.

الخاتمة

إن النهضة الحسينية ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مدرسة متجددة للوعي والإصلاح.

وقد نجحت الأمة عبر القرون في حفظ دمعة الحسين عليه السلام، لكنها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بحفظ وعي الحسين ورسالته.

فإذا كان الإمام الحسين قد بذل مهجته لإنقاذ الناس من الجهالة وحيرة الضلالة، فإن مسؤولية هذا الجيل تتمثل في حماية النهضة الحسينية من التشويه، وبناء منظومة معرفية وأخلاقية قادرة على مواجهة التزييف وصناعة الإنسان الواعي.

وعندئذ فقط يتحقق المعنى الحقيقي لإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام.

المصادر والمراجع

الكافي، ج2، كتاب الإيمان والكفر، باب التزاور والتذاكر.

بحار الأنوار، ج44، ص329؛ ونقله أيضاً مقتل الحسين.

تهذيب الأحكام، ج6، نص زيارة الأربعين.

وسائل الشيعة، ج14، أبواب المزار.

عيون أخبار الرضا، ج1، باب مجالس الإمام الرضا عليه السلام.

نهج البلاغة، خطب وحكم متفرقة، من كلامه في البصيرة والاعتبار.

 


مشاهدات 50
الكاتب عباس النوري 
أضيف 2026/06/17 - 3:35 PM
آخر تحديث 2026/06/18 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 164 الشهر 17091 الكلي 15892572
الوقت الآن
الخميس 2026/6/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير