الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عاتكة الخزرجي .. الإنصياع نحو التصوّف


عاتكة الخزرجي .. الإنصياع نحو التصوّف

مهند الياس

 

في العام 1963 ، اصدرت الشاعرة العراقية عاتكة الخزرجي ، ديوانها الاول .. ( افواه الزهر) –القاهرة- ، حيث اعتبر هذا النتاج هو اول حصاد لها يمثل تجربتها الشعرية .. والتي كشفت فيه  عن عالمها الخاص الذي حمل معالم رحلتها  والتي تخالطت مع تيارات الشعر العراقي في بدايات ظهور مرحلته الجديدة وازاء التحول الفني له، حيث

ظهرت اسماء مثل نازك الملائكة ، وام نزار الملائكة ولميعة عباس عمارة ، وفطينة النائب، وخالد الشواف، وبدر السياب ، وعبد القادر

رشيد الناصري  .. وشعراء وشاعرات ضجت بهم الساحة الشعرية ائذاك..ولم يرتفع صوت عاتكة الخزرجي ، من بين هذه الاصوات

ويأخذ دوره ، الا بصعوبة بالغة ، اذ ان الشاعرة عاتكة بقيث في بداياتها محافظة على منوالها في كتابة العمود الشعري متواصلا اسلوبها مع التقليد البنائي للقصيدة ، ولم تتضح بعض اشراقاتها الجديدة في الخروج الى النقاد بالجوانب التي تميزت بها .. حتى صدور مجموعنها الثانية ( لاليء القمر) 1994-القاهرة- حيث سبق ان اصدرت قيل هذين العملين مسرحية (مجنون ليلى) –القاهرة-1963، اذ اتهمها بعض النقاد با اسلوبها يتطابق م مع اسلوب الشاعر احمد شوقي في مسرحيته التي تحمل ذات العنوان .

ان المساحة التي تخللتها حياة الشاعرة عاتكة ‘ ما بين دراستها في بغداد –الابتدائيةوالمتوسطة والثانوية- .. وحصولها على ( الليسانس) -1945- وممارستها التدريس في ثانوية الاعظمية للبنات ، ورحلتها الى باريس ( كلية الاداب في السوربون) -1950 ،، نستشف من خلالها ، مدى ما كانت تتمتع تطلعاتها من حرية تتوازن مع تحولات المرأة ، وما يتبغي للمرأة ان تحصل من حقوق وواجبات و ازاء سلوك الحياة المتحضرة .. فكانت قصائدها .. هي مزيج من الرومانسية ، والوطنية ، والذاتية المشوبة بشيء من الوجع العاطفي الذي اثر عليها في بدايات حياتها .. وبالذات حين فوجعت بوفاة والدها .. فاحست بهذه الفاجعة تلتهم جانب من احاسيسها ، وهي لا تزال في غضاضة العمر .. فاحتضنتها امها بالرعاية التامة .. فقالت فيها:

اما هواك فلست من انساه

يوما اذا نسي المحب هواه

اواه! لو تدرين مافعل الجوى

بحشاشة عزت عليها الاه

يدري الهوى خيري ومن لائم

فهواك ما يدعو اليه الاله

ولها نشيد عن الامومة

انت معنى الحب بل معنى الحياه

انت نور فاض من نور الاله

وفي بداية تحسسها لالام الحياة مبكرة:

بلوت من الايام كل عظيمة

وحسبي باني قد ولدت بمأتم

وكانت اغاني المهد لي رنة الاسى

ووقع غيب قد يرى قلبي ايم

وابصرت عن قربي خيالا مهدما

يغالب دمعا بين جفن مورم

ولم تقف احزان بداية العمر لدى عاتكة ، بل واجهتها بمرارة قاسية .. ولم تتوقع انها ستمر في مثل هكذا مسير في الحياة تعترضه مطباة عسيرة .. حيث كان لزواجها الاول الفاشل صدمة قوية لم تتوقعها .. فطفت احزانها فوق عالمها الذي كانت ترسم عبر صفحاته اجمل الرسوم لتؤسس عبر الوانها ماتحتويه مخيلتها التي ارادت منها ان تمنحها اليسر داخل طقوس حياتها ، وعبر افاقها المتفتحة امام المسرة والفرح الذي لا يعتريه غبار !

صدمة الفشل

.. وكذلك جاء ت صدمة فشلها بزواجها الثاني .. وزادت نار اوجاعها اشتعالا .. وبقيت تتأمل وحشة وحدتها القاسية .. اذ تبدد رجاءها .. وانفرطت امالها .. فهي تنظر الى ما اصابها بالحالة الغير مستقرة ، اشبه بكابوس يطوق بجدرانه الثقيلة ومضات حريتها .. وهي امرأة –انسانة وشاعرة- تريد ان تجلس تحت ظلال واحة الحياة وتداعب اوتار مشاعرها بالحانها العذبة ... اما وقد خبأ لها القدر مالا تتوقعه .. فهذا ما غير من سلوكها .. وقد كتبت عاتكة بعضا من القصائد ، وهي على شكل عتاب لحبيبها الذي فارقها دون رجعة .. وقبل ان يفترقا دون

رجعة:

الم بنا ما كان احلا  واجملا

فما ضر لو دارى ودادي وعللا

وما هي الا وغمضة وانتباهة

امرت علينا كل ماكان قد حلا

لقاء وشبك ثم بين على المدى

فيا للنوى للقلب ماكان اقتلا

وعندما وقع الفراق .. واصبح كيانها يعيش في اروقة لا تفضي الا الى الغربة في هذه الحياة ... انشدت:

امولاي فيم الهجر فيما التباعد

وحتام  اقصي في الهوى واكابد

امن بعد بذل النفس فيك رخيصة

تشك حتى اعوزتك الشواهد

.. وتسأل حبيبها الذي الذي رحل عنها:

ما كان ذنبي سيدي   انا بلا ذنب ترد

مولاي هذي مهجتي  من حرمانها تقد

رحماك لو اسيتها   وجميل عطفك لا يحد

.. وتمنت لو يعاود زيارتها ، وهي على فراش المرض:

هذي فتاتك في السرير   تذوب من وجد وحسره

تهفو الى لقياك ظمأى    تستقي غاديك قطرة

ماذا عليك اذا عطفت    وزرتنا في العمر مرة

ان جملة من الالام بدات تتسرب الى هواجسها ، وتلتف حول احلامها الباهتة، ونزيدها وجعا ساحقا ، حيث لا خلاص الا الالتجاء الى الله ، وترك الامور اليه ، فهو المقدر  لكل شيء ،، فانفتح قلبها صوب النور الالهي.

محراب الله

ان دخول عاتكة الى محراب الله ومن بعد رحلة في عالمها العاطفي والوجداني الذي تمخض عن جفاف افاقه .. وضييق على انفاسها وكبت مشاعرها .. كان دخولا يمثل الاتنعطاف نحو الرحاب الاوسع الذي تطمئن اليه جوارحها ، وتلتقي بالنور الذي يخلع عنها كل مالحق بها من فصول معتمة من المأساة ونحمل اثارها.. فلقد بدأت مناجاتها تتوالى بصرخات خاشعة ،وبطريقة تفصح عن تعلقها السامي بالذات الالهية ، والمسير في نهر التصوف ، حيث لايخفى بان الشاعرة عابكة لم يكن ديدا عليها هذا المنحى الذي اتخذته في شعرها وهو الدخول في مسارب العشق الالهي .. فهي كما معروف عنها ( حفيدة صوفي خزرجي ، دغدغ سمعها وهي بعد طفلة صوت والدها منشدا شعر ابيه وسواه من شعراء التصوف ، اذ جمعت في شعرها بين رقة البحتري ، وغزل العباس بن الاحنف وتعفف الشريف الرضي واستعطافه ، وصوفية بن الفارض وهيامه).

ففي ديوانها (لاليء القمر) تنسكب من مشاعرها اروع ما يمكن ان تحمله.. حيث ترد على سوال من تحب:

اهوى الذي خلق الوجود من العدم

اهوى الذي سواك من لحم ودم

اهوى الذي شق الضياء عن الظلم

اهوى الذي على وعلم بالقلم

قالو تعالى من له الملكوت من برأ النسم

-المجموعة الشعرية الكاملة- ص30-قصيدة عشق-باب الله-

 

وفي مقطع اخر:

 

 قالو: وماذا تعشقين؟ فقلت سر الحسن كله

 

قالو: ومنذا؟ قلت ربي باريء الكون جمله

 

المصدر السابق-ص28

 

         **

 

ان انعطاف الشاعرة عاتكة الخزرجي نحو الحب الالهي .. قد الهمها تعويض ما فاتها من الالام .. ان هذا الحب ..وضع روحها تسبح في انواره الصافية العذبة ويطهرها من شوائب ما علق بعا من ماض مقيت ،، ومسح من اعماقها جروحها .. فالنور الرباني .. هو الشفاء الحقيقي للروح والبدن:

 

احبك لو صح  ان الهوى  تترجمه احرف ومعان

 

احبك للحب لواعربن      عن الحب قافية او بيان

 

 وقد حاولت ان تدخل مدخل الشطح الصوفي ..كما ورد عن رابعة العدوية في شطحاتها .. لكن عاتكة كما توضح لم تصل الى الحد الذي وصل اليه (المتيمون) المتقدمون ..ذلك لان ما قرأناه من شعرها الصوفي ليس ما يقارن بما سبقها من العشاق .. فالمتقدمون عاشو مراحلهم.. وتوقدت لديهم تجربة قاسية من الوصول الى نور الذات الالهية ومن خلال التخيل الخاشع المرير الذي يلتقي في درجة الاباحة في الشوق .

 

ان عاتكة .. حاولت ان تلم بتجرية الدخول الى فضاءات الشطح ، ولكن بالقدر اليسير لها:

 

هواك هواي الذي يعرفون    وسرك سري .. فما ينكرون

 

احبك فوق الهوى والظنون   وفوق الذي يحب العاشقون

 

هواك هواي ايا عالمـــــــا    تقاصر عن وصفه الواصفون

 

**

 

ان الشاعرة العراقية عاتكة الخزرجي .. او كما يطلق عليها (قيثارة العراق) .. احتفلت حياتها  الشعرية  بفترة قصيرة لم تستطع هذه الفترة او تؤهلها لفتوحات كثيرة اوسع .. فقد اقتصرت على اصدار ثلآثة دوواوين فقد هي كل مارسمت فيه تجربتها في الحياة والشعر.


مشاهدات 55
الكاتب مهند الياس
أضيف 2026/06/20 - 1:35 AM
آخر تحديث 2026/06/20 - 3:58 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 206 الشهر 18926 الكلي 15894407
الوقت الآن
السبت 2026/6/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير