الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لعبة الحظ

بواسطة azzaman

لعبة الحظ

محمد زكي ابراهيم

 

من الأمور التي يصادفها البعض ويتطلعون إليها ساعة اللزوم لعبة الحظ؛ فهو يظن أنه إذا ما وقع في معضلة مدت له حبل الإنقاذ، وإذا ما تردت أحواله انتشلته مما هو فيه من هوان، وإذا ما قلب له الزمان ظهر المجن تبدت له فجأة وابتسمت له على حين غرة، وهكذا. لكنه يدرك أن الحصول على مثل هذه الميزة مجرد حلم لا يتحقق إلا لماماً.

بيد أن سيئي الحظ الذين ينتقلون من معضلة لأخرى، ومن مصيبة لأخرى، لا يسمع أنينهم أحد، ولا يلتفت لشكواهم إنسان؛ هم الكثرة الكاثرة والأغلبية الساحقة. وهذه هي حال الدنيا، يعجز المرء عن إدراك كنهها أو فهم مرادها، ويحاول أن يخرج منها طول حياته بلا طائل.

وهناك بعض الأشخاص الذين يمتلكون حظاً عاثراً تارة، وحظاً سعيداً تارة أخرى، ولا أعرف ماذا يمكن أن نطلق عليهم، وفي أي صنف نضعهم.

لقد ساقني إلى هذا الحديث ما قرأته عن حادثة غريبة جرت في العراق خلال العهد العثماني، وبالتحديد عام 1876. فقد حكمت إحدى المحاكم المحلية بالإعدام على شخص اسمه (عبد الكريم) لكثرة ما عُرف من تعدياته على الغير، فأرسل والي الحلة إلى مدير الشرطة يأمره بتسليمه إلى الدائرة المختصة بتنفيذ الحكم. لكن حسن حظ عبد الكريم هذا أنقذه في اللحظات الأخيرة، إذ التبس الأمر على مدير الشرطة وظن أن الأمر يخص سجيناً آخر اسمه (عبد) اتُّهم بجريمة سرقة. فاقتيد الأخير إلى حيث يُنفذ الحكم، وهناك لقي من العنت والظلم ما لا طاقة له به قبل أن يلتف حبل المشنقة على رقبته. أما عبد الكريم فقد لبث في سجنه غير عالم بحقيقة ما يجري حوله.

غير أن الحظ ابتسم للمسكين (عبد) في اللحظات الأخيرة، فعندما وصلت الأخبار إلى الوالي أسرع بإصدار أمره بالتوقف عن تنفيذ الحكم وإعادته إلى السجن. وربما كان للإجراءات التي سبقت موعد التنفيذ وأخّرته بضعة أيام، لغرض التنكيل بالمتهم، الفضل في حل القضية وإلغاء الحكم؛ أي أن ما لقيه من تعذيب كان في مصلحته بالدرجة الأولى!

والطريف في الأمر أن الأجهزة الأمنية في ذلك الوقت لم تشأ أن تتنازل عن هذا الخطأ وتسمح للعامة بالتندر عليها في مجالسهم الخاصة، فأشاعت أن (عبد) مجرم سفاح وأنه محكوم أيضاً بالإعدام. لكن أحداً لم يصدق هذا الزعم أو يتقبله، فقد أيقن الجميع أن الصدفة وحدها هي التي تدخلت في الموضوع وأنقذت الرجل من موت محتم.

ولا أعلم إن كان المدان الأصلي (عبد الكريم) قد نُفذ فيه الحكم بعد هذه الحادثة، أو صدر أمر بتخفيفه عنه. فلم تُعنَ الرواية التي نقلها القنصل الفرنسي إلى حكومته كثيراً بهذا الأمر، لأن المغزى الحقيقي للقصة هو كيف أنقذت الصدفة الشخص البديل في الوقت الحرج وتمكنت من رفع الحيف عنه في الوقت المناسب.

إننا محظوظون لوصول مثل هذه الأخبار إلينا بطرق غير معهودة، فلم يُعنَ بتوثيقها أو التنبيه عليها أحد من أهل البلاد. لكن قناصل الدول الأوروبية في العراق وسواه من البلدان الخاضعة لحكم العثمانيين عنوا بالأمر عناية فائقة، في غياب تام لوسائل الإعلام؛ أي أن عيونهم كانت تلاحق كل ما يصل إلى أسماعهم من الحوادث والمفارقات والصدف الغريبة غير المألوفة.

إن من عجائب الدهر أن تخطئ أجهزة الدولة في موضوع كهذا، فيُنهى حياة إنسان لا علاقة له بالموضوع إلا من ناحية الاسم، وأن يتكفل الحظ بإنقاذه في الساعات الأخيرة. لكن يا ترى كم هم أولئك الذين دفعوا حياتهم ثمناً لخطأ لم يرتكبوه أو جريرة لم يقترفوها؟

 


مشاهدات 73
الكاتب محمد زكي ابراهيم
أضيف 2026/06/20 - 1:16 AM
آخر تحديث 2026/06/20 - 3:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 198 الشهر 18918 الكلي 15894399
الوقت الآن
السبت 2026/6/20 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير