ماجدات العراق
زهير جبر
في عتمة المحن والمجازر التي مر بها وطننا، وتحديداً عقب فاجعة «سبايكر» الأليمة، تجسّدت الغيرة العراقية بأبهى صورها في مواقف نساءٍ عراقيات سطرن ببطولتهن ملاحم من الإنسانية والشجاعة، وصرن خط الدفاع الأول عن وحدة هذا الشعب وأصالته.
هؤلاء البطلات يمثلن الرد الصارم والناصع على كل قوى الظلام وعشائر الذل والخضوع التي غدرت بشبابنا:
الأولى: الحاجة «أم قصي» (علية خلف الجبوري) – طوعة التكريتية:
ابنة تكريت (ناحية العلم) التي لم تتردد لحظة واحدة في فتح بيتها وقلبها لحماية المستضعفين. في الوقت الذي كان الموت يحاصر الجميع، آوت هذه السيدة السنية الشجاعة أكثر من 25 شاباً شيعياً من الناجين من مجزرة سبايكر. لم تكتفِ بإطعامهم وإكسائهم، بل جازفت بحياتها وحياة عائلتها واستخرجت لهم هويات مزورة لتعبر بهم نقاط تفتيش خوارج العصر، وأشرفت على تهريبهم بنفسها وتأمين طريقهم حتى أوصلتهم بسلام إلى كركوك.
الثانية: الماجدة الكوردية الأصيلة من كركوك:
حيث تكتمل لوحة التلاحم الوطني؛ فعند وصول هؤلاء الشباب الناجين إلى محافظة كركوك، تلقفتهم هذه السيدة الكوردية الفاضلة بقلب الأم، وأبت إلا أن تشارك في هذه الملحمة الإنسانية، فدفعت من مالها الخاص مبلغ مليون دينار عراقي كأجور لنقلهم وتأمين حافلات خاصة لضمان عودتهم سالمين إلى العاصمة بغداد ومنها إلى أحضان أمهاتهم.
الثالثة: الشيخة الشهيدة أمية ناجي الجبارة:
ابنة قضاء العلم في محافظة صلاح الدين ومستشارة المحافظ لشؤون المرأة، التي أثبتت أن الماجدة العراقية تقاتل كالرجال وأشد. فلم ترضَ بالخنوع للتنظيم الإرهابي، بل حملت سلاحها ووقفت في الخطوط الأمامية مع إخوتها من أبناء عشيرة الجبور والقوات الأمنية، وظلت تقاتل ببسالة وتقاوم تنظيم داعش حتى استشهدت في أرض المعركة في أيلول 2014، لتنال نوط الشجاعة والخلود.
إن الفرق بين هاتين البطلات وتلك القلة من «عشائر الذل والخضوع» الذين باعوا ضمائرهم وقتلوا شبابنا في سبايكر، هو الفرق بين السماء والأرض. هؤلاء النسوة أثبتن أن المواطنة والإنسانية أقوى من كل المسميات الطائفية والقومية. نساءٌ كهؤلاء، بمواقفهن النبيلة وبطولاتها التي هزت الوجدان، يستحققن فعلاً أن يُنصب لهنّ في كل شارع وساحة عراقيّة نصبٌ تذكاري يخلّد تضحياتهن ليكون درساً للأجيال في الشرف والشهامة.