مراحل تهديم العراق
صادق سعدون البهادلي
لم يسقط العراق فجأة ولم يهدم بقرار واحد بل كانت هناك مراحل متراكمة أخطاء مقصودة وأخرى مغلفة بالتبرير لكنها في النهاية صبت كلها في نهر واحد اسمه إضعاف الدولة وتحطيم هيبة المجتمع.منهاحين تمنح الرتب العسكرية لمن لا يستحقها وتعلق على صدور من لا يعرف معنى الانضباط ولا قيمة التضحية فإننا لا نكرم أحدا بل نهين المؤسسة العسكرية نفسها. الرتبة ليست قطعة قماش بل تاريخ من الدم والتعب والانضباط. وعندما تمنح جزافا تسقط هيبة الجيش ويضيع الفرق بين من خدم الوطن ومن تسلق على أكتافه.وعندما تتحول الشعائر الدينية إلى امتيازات سياسيةوتوزع حصص الحج والعمرة على المسؤولين وأعضاء مجلس النواب فإن القدسية تستبدل بالمصلحة. حتى كلمة (حجي)التي كانت رمزا للوقار أصبحت عند الناس مثار سخرية أو نفور لا لأن الدين فقد قيمته بل لأن من تاجر به أسقط هيبته في قلوب الناس.وايضافتح باب التعليم بلا ضوابط والسماح بالدراسة أثناء الوظيفة دون تخطيط أو حاجة فعلية كان ضربة موجعة للعلم قبل أن يكون تطويرا له. شهادات تشترى وألقاب علمية تمنح دون علم وطلاب يعودون بشهادات عليا من دول لا تتحدث العربية ليحملوا (ماجستير لغة عربية) هنا لم يضرب التعليم فقط بل ضربت الحقيقة نفسها. كيف نبني دولة بعقول مزورة ومعرفة مزيفة؟والاهم من ذلك هو تسريب الأسئلة الوزارية خاصة لطلبة السادس الإعدادي كان جريمة بحق مستقبل جيل كامل. هذه المرحلة هي مفترق طرق يحدد فيها الطالب مصيره العلمي لكن عندما تباع الأسئلة وتشترى الدرجات يتحول التفوق إلى سلعة والجهد إلى حماقة في نظر البعض. وهنا تنهار العدالة ويضيع الأمل.هذه ليست أخطاء عابرة بل عمليات تهديم ممنهجة ضربت ركائز الدولة: الجيش والدين و التعليم والعدالة. وعندما تنهار هذه الأعمدة لا يبقى مجتمع متماسك بل كيان هش يتآكل من داخله.أما التبريرات التي تطرح اليوم فهي لا تقل سوءا عن الأفعال نفسها. لأن التبرير هو محاولة لتجميل القبح وتكريس الخطأ وإقناع الناس بأن الانحدار قدر لا يمكن تغييره.إن ما جرى لم يكن مجرد خلل إداري بل خيانة صامتة لمستقبل العراق. وإن لم تحاسب هذه المراحل ومن صنعها فسنكون أمام جيل لا يثق بشيء ولا يؤمن بشيء ولا يحلم بشيء. وحينها لن نكون قد خسرنا دولة فقط بل خسرنا روح وطن بأكمله.
كفاكم عبثا بمصير العراق انه وطن أنهكته الأيادي المرتجفة بين الولاءات وكفى بيعا لكرامة شعب لم يعد يملك إلا صوته المبحوح. حكومة تنحني هنا وتخضع هناك وتساوم على حساب العراق بين أسياد يتنازعون النفوذ من واشنطن واسرائيل إلى طهران ومن خلف الستار إلى عواصم الخليج لا يمكن أن تبني دولة بل تتقن فقط فن الهدم البطيء.أيها السادة العراق ليس ورقة تفاوض ولا ساحة لتصفية الحسابات ولا غنيمة تقسم بين الطامعين. العراق وطن يذبح كل يوم وأنتم شهود زور أو شركاء في الجريمة.فإن لم تستفيقوا فالتاريخ لن يرحم والشعب لن ينسى وسيأتي يوم تسأل فيه كل يد وقعت وكل لسان برر وكل ضمير صمت.وعندها لن يبقى لنا إلا أن نصرخ بوجع يختصر كل الخيبات:
(الك الله يا عراق).........