التأريخ عاصفة هوجاء
كامل عبدالرحيم
نشر الروائي سنان انطون ولمناسبة الذكرى الرابعة لوفاة الشاعر مظفر النواب لقاء له مع الشاعر سجله ونشره عام 1996، و أظنه من أهم اللقاءات مع النواب ،وفيه نرى بعدا أو أبعادا جديدة لشخصيته المثيرة للجدل، حيث يكشف النواب انتماءه لحزب الاستقلال ( اليميني و القومي التوجه ) قبل انضمامه للحزب الشيوعي. وهذا الانتماء القومي سيظهر لاحقا كهوية قارة كادت تنسخ وربما نسخت ما قبلها من الهويات.
ويتحدث مظفر عن إيمانه بوجود خالق للكون، موجود بهذه الطريقة أو الكينونة أو تلك وكذلك إعجابه بالصوفية وانجذابه للتصوف والمتصوفين وهو ما انعكس على شعره الفصيح أو قصائد التفعيلة التي كتبها و الذي يتجلى في (وتريات ليلية)، خلفيته القومية تلك والتي ابتعد عن تنظيماتها بسبب نفوره من شخصية زعيم حزب الاستقلال (محمد مهدي كبة) جعلته يتعرف على بعض زعماء الحركات القومية مثل (علي صالح السعدي) أمين سر حزب البعث لاحقا والذي احتفظ بعلاقته معه حتى بعد ثورة 14 تموز.
ما ذكرته يقودنا إلى قضية هامة وهي المسافات الحقيقية والمصطنعة بين الأحزاب وبين الاتجاهات الأيدولوجية كذلك، قلت مصطنعة لأن أغلبها كذلك وما تقوم به عوامل أخرى مثل الصداقات وصلات القربى والانتماء القبلي وحتى الخجل الاجتماعي وتأثير الكاريزمات القوية في المدرسة أو الجامعة وفي العمل والحي يؤخذ بنظر الاعتبار، ما جعل تلك المسافات عصية على التعابر والتنافذ والانقلاب هو الدم، الدم المسفوح مجانا وجزافا بين هذه الأحزاب.
كنت قد قرأت في رواية للطيب صالح كيف كان الشيوعيون والإخوان المسلمون يجلسون على النيل على موائد مشتركة يتبادلون الطرفات والقفشات ويلعبون النرد وغيرها من اللعبات وظل ذلك حتى وليمة الدم التي أقامها جعفر النميري بالشيوعيين عام 1971. مرة كنت عائدا من الاردن إلى العراق بالطريق البري البارد والطويل وكان ذلك أوائل عقد التسعينات حيث الحصار يخنق العراقيين ويفقرهم وكان معي في سيارة النقل الكبيرة وفد نقابي عمالي سوداني جاء على مايبدو متضامنا مع العراق ضد الحصار، كانوا يضحكون بصوت عال ويتبادلون النكت وكأنهم في عرس، أحدهم، وهو أطولهم قامة و أكثرهم أناقة ووسامة ويفوقهم قدرة في كل ذلك فقلت لنفسي (هذا شيوعي) واغتنمت فرصة أنفراده لشأن ما عند نزولنا في إحدى الاستراحات لأقول له بجرأة (أنت شيوعي يازول) قلتها ليس بصيغة التساؤل بل بالاثبات، انتبه لي الرجل الوسيم وافتر ثغره عن ابتسامة التمع بأثرها صفا أسنانه كقمر بزغ في ليلة دهماء، فرد علي بسؤال مرح (وعلى هذا يجب أن تكون أنت كذلك) قلت له هذه تهمة عقوبتها الإعدام هنا، كان يعرف ولمته قليلا كونه جاء لدعم نظام ديكتاتوري ولما حدثته عما قرأته عند الطيب صالح أشار إلى الوفد قائلا، معنا بعثي واخواني وكذلك أنا فالجرح يندمل شيئا فشيئا.
أعود لقضية مظفر النواب و رباط الكلام ما سمعته من صديق أعتذر عن ذكر اسمه وهو يسترجع تلك الأيام قبل 8 شباط عام 1963 فيقول بأن الجميع كان يخاف من حمام الدم الذي حصل للأسف قبل ذلك اليوم ومصدره هو خوف كل طرف من الآخر، لم يكن كل البعثيين ولا كل الشيوعيين على مستوى واحد من الوعي وتتفاوت لديهم طبقات ( الكراهية ) لبعضهم البعض وكذلك الحلم والتعقل.
بالطبع، لا يمكن أبدا تبرير جرائم البعثيين والقوميين ضد نظام ثورة 14تموز أو الشيوعيين والديمقراطيين وأنصارهم، لكن للتأريخ والكلام مازال لصديقي الذي لم أذكر اسمه، ظهر تيار في صفوف حزب البعث يدعو للحوار مع الشيوعيين من أجل إطفاء واخماد موجة الحقد العالية بين الطرفين، بل وانشق قسم منهم عن البعث وكونوا تنظيمات سرية، حتى أنها تبنت الماركسية اللينينية، ومن هذه الجماعات ( منظمة الكادحين العرب ) وقد تأسست نهاية العام 1961 وأيضا ( المنظمة العمالية الثورية ) وتأسست عام 1963 وهي أكثر نضجا من سابقاتها.
وأخيرا نجح قسم من هؤلاء بإيصال صوتهم لقيادة الحزب الشيوعي وقد كان الوسيط بين هؤلاء وبين قيادة الحزب مظفر النواب نفسه، ربما بسبب الأسباب والعلاقات المذكورة أعلاه، لكن موجة الكراهية غطت كل شيء وصبغ لون الدم رسائل السلام وعلا صوت الرصاص على نبرة الحوار. بالطبع لن نغفل أبدا الدور التآمري لقوى خارجية وقد خططت وصممت على قلب هذه الصفحة من تأريخ العراق بالعنف الدموي، وليس غيره.
يبدو التأريخ، على الأغلب، كعاصفة هوجاء لا نملك ازاءها غير الانحناء والرضوخ، فيما، وفي الحقيقة هناك دائما دور لأفراد استثنائيين أو نخبة ذات تصميم على تغيير هذه الوجهة ولن ينجحوا دائما بالضرورة، في العراق ؟ للأسف، تفوز غريزة الشر والدم غالبا.