الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في قلب العاصفة.. باكستان الوسيط بين واشنطن وطهران

بواسطة azzaman

في قلب العاصفة.. باكستان الوسيط بين واشنطن وطهران

قتيبة آل غصيبة

 

حين أطبقت نيران الحرب الأمريكية الإيرانية على المنطقة في 28 شباط 2026، وجدت باكستان نفسها في موقع لا تحسد عليه: «دولةٌ تقع بين نارين؛ تجمعها بإيران حدودٌ مشتركة تمتد نحو 900 كم؛ وتربطها بواشنطن علاقاتٌ أُعيد نسجها بعناية منذ أن زار رئيس الوزراء شهباز شريف والقائد الفعلي للمؤسسة العسكرية الفريق عاصم منير البيت الأبيض في أيلول 2025؛ حيث التقيا الرئيس ترامب ونائبه فانس ووزير خارجيته روبيو؛ ومنذ ذلك اللقاء نبتت بذرة الثقة التي أتاحت لإسلام آباد لاحقاً أن تضطلع بدور لم يكن في متناول أحد سواها

غير أن الأمر لم يتوقف عند حسابات الدبلوماسية وحدها، بل أمتد إلى ما هو أعمق وأشد إلحاحاً، فالقيادة الباكستانية؛ وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية التي تمسك بزمام القرار الاستراتيجي فعلياً؛ تنظر إلى انهيار النظام الإيراني بوصفه كابوساً أمنياً يهدد تماسك الدولة الباكستانية ذاتها، «فإقليم بلوشستان الباكستاني؛ الذي يشغل نحو 44 بالمئة من مساحة البلاد ويحتضن ثروات طبيعية هائلة، تشهد أرضه منذ عقود جمرةً مشتعلة من التمرد الانفصالي؛ وعلى رأسها جيش تحرير بلوشستان الذي صنّفته إسلام آباد وواشنطن ولندن منظمةً إرهابية؛ فضلاً عن تشكيلات أخرى كجبهة تحرير بلوشستان؛ حيث شنَّ مسلحو جيش تحرير بلوشستان؛ في كانون الثاني وحده هجمات منسقة شملت أكثر من عشر مدن؛ استهدفت منشآت عسكرية ومحطات شرطة وبنوك؛ وأودت بحياة عشرات الجنود والمدنيين

وفي هذا الاطار فإن الخشية الباكستانية لا تتعلق بالوضع المحلي وحده؛ بل تتجاوزه إلى ما قد تفرزه الفوضى عبر الحدود، فإن أفضت الحرب القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران  إلى إضعاف قبضة طهران على إقليمي» سيستان وبلوشستان الإيراني»؛ فإن الجماعات الانفصالية ستملأ ذلك الفراغ، وقد يتحول الإقليم إلى قاعدة انطلاق لهجمات أشد وطأة على الأراضي الباكستانية، وما يعزز هذه المخاوف أن حرباً مطوّلة في إيران قد تعني موجات من اللاجئين تتجه نحو الحدود القريبة؛ ومن بينها بلوشستان، مما قد يشجع الميليشيات العاملة في سيستان وبلوشستان الايرانيتين على توسيع طموحاتها خاصة إذا تلقت دعماً خارجياً.

نظام ايراني

وجدير بالذكر، فلم يكن خطابُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي دعا فيه أقليات إيران، ومنها البلوش؛ إلى الانتفاض ضد النظام الإيراني عند بدء العمليات العسكرية، خطاباً تجاهله الباكستانيين ومرَّ مرور الكرام؛ فهم يدركون أن دعوة كهذه لا تقف عند الحدود الإيرانية؛ بل إن صدى قومي كبلوشستان يتردد على ضفتي الحدود معاً، ومن هذه الضرورة الوجودية انبثق الدور الباكستاني في الوساطة؛ متشابكاً مع عوامل تأهّلية نادرة، فباكستان تمتلك علاقات وطيدة مع دول الخليج؛ وتتقاسم مع إيران حدوداً بالغة الحساسية؛ وموانئها؛ وخاصة «ميناء جوادر؛ الذي يعد حلقة وصل رئيسية في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني ويقع ضمن أقليم بلوشستان؛ وبمحاذاة أحد أهم ممرات الطاقة في العالم» ، وكذلك علاقتها مع الصين تُضيف إليها بُعداً استراتيجياً، وإن عدم استضافة باكستان لقواعد عسكرية أمريكية؛ جعل طهران مرتاحة لاختيارها وسيطاً لا يبدو منحازاً بحكم الجغرافيا، وعلاوة على ذلك؛ «فإن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير»؛ يحمل في حسابات الرئيس الأمريكي ترامب الشخصي رصيداً غير عادي؛ إذ وصفه الرئيس الأمريكي بـ»الفيلد مارشال/ المهيب المفضّل لديه».وبهذا الصدد فقد بدأت المساعي الباكستانية منذ فترة، ففي 23 آذار تحدث؛ قائد الجيش الباكستاني عاصم منير مباشرة مع ترامب، وفي اليوم ذاته أعلنت إسلام آباد رسمياً استعدادها لاحتضان المفاوضات، ثم تدرّجت الجهود صعوداً؛ فقد سلّم المسؤولون الباكستانيون في 25 آذار مقترحات أمريكية من خمسة عشر بنداً إلى الجانب الإيراني، تضمّن إنهاء البرنامج النووي الإيراني وتقليص الصواريخ وإعادة فتح مضيق هرمز ورفع العقوبات في المقابل، في حين رفضت طهران تلك المقترحات وقدّمت مقترحاتها المضادة، لم تُحجم إسلام آباد بل تابعت مثابِرةً، إذ في 31 آذار أصدرت باكستان والصين بياناً مشتركاً من خمس نقاط يدعو إلى وقف فوري للعمليات وإدخال المساعدات الإنسانية، وبلغ الدور الباكستاني ذروته في اللحظة الأخيرة، حين أقدم رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى إصدار نداء علني لكلا الطرفين بقبول وقف إطلاق النار قبيل انتهاء مهلة ترامب بساعات؛ فانعكس ذلك فوراً على أسواق المال الأمريكية التي عادت إلى الارتفاع؛ وقبل أن يُعلن ترامب بعدها بقليل قبوله وقف النار بعد محادثاته مع شهباز شريف وعاصم منير، وقد أقرّ الرئيس الأمريكي صراحةً بأنه قبل الهدنة بناءً على طلب إسلام آباد، فيما أفاض وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي في الثناء على الدور الباكستاني.

بيد أن الوساطة لم تكتمل بالنجاح الذي كانت تأمله إسلام آباد، ففي 11 نيسان، استُضيفت في فندق سيرينا بالعاصمة الباكستانية لأول مرة منذ عام 2015 مفاوضاتٌ أمريكية إيرانية وجهاً لوجه، استمرت 21 ساعة متواصلة، غير أن نائب الرئيس فانس أعلن في النهاية فشل المفاوضات؛ مُحملاً السبب إلى رفض طهران تقديم ضمانات حاسمة بشأن الملف النووي، وعلى الرغم من الإخفاق؛ فقد أكدت إسلام آباد على لسان وزير خارجيتها «إسحاق دار»: «أنها ستواصل دورها كوسيط؛ وتسعى إلى جولة حوار جديدة في الأيام القادمة

حدود مشتركة

وبناء على ماسبق، فإن المشهد الباكستاني في هذه الأزمة يكشف عن دولة تتصرف انطلاقاً من مصالحها الوجودية لا عن ضرورة قصوى في الموقف الدولي، فمصلحة إسلام آباد في إطفاء هذا الحريق قبل أن تمتد جذوته عبر 900 كم من الحدود المشتركة تفوق في حساباتها أي اعتبار آخر، والرجل الذي يدير هذه اللعبة ليس رئيس الوزراء الدستوري شهباز شريف وحده؛ بل القائد عاصم منير الذي يمسك خيوط الملف الاستراتيجي بيده مع الحفاظ على غطاء مدني للواجهة الديبلوماسية، وقد نجحت إسلام آباد حتى الآن في تحقيق ما وصفه «أستاذ العلاقات الدولية المصري حامد فارس»؛ «بأنه أكثر من مجرد رسالة: فهي لم تكتفِ بنقل المواقف؛ بل صاغت تسلسل المقترحات وتوقيتها وإطارها التفاوضي؛ وامتلكت نفوذاً حقيقياً على الطرفين معاً» ، وبالرغم من ان الجولة الأخيرة؛ قد أُسدل عليها الستار دون اتفاق، إلا أن المشهد لا يزال يتشكّل.


مشاهدات 54
الكاتب قتيبة آل غصيبة
أضيف 2026/04/18 - 3:42 PM
آخر تحديث 2026/04/19 - 12:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 86 الشهر 15538 الكلي 15233611
الوقت الآن
الأحد 2026/4/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير