عندما سرق جثمان تشارلي تشابلن
صادق الطائي
لم يكن تشارلي تشابلن، أيقونة السينما الصامتة، يتخيّل أن مسيرته الاستثنائية التي ملأت العالم ضحكًا وتعاطفًا ستتعرّض لامتحان غريب بعد موته. فالرجل الذي حارب الطغيان بالفكاهة، واختصر الألم الإنساني في مشاهد لا تُنسى، وجد نفسه بعد وفاته محور واحدة من أغرب الجرائم في تاريخ الثقافة الحديثة: خطف جثمانه من قبره الريفي الهادئ في سويسرا.هذه الحادثة لم تكن مجرد عملية سرقة غريبة، بل صدمة هزّت العائلة والصحافة والرأي العام العالمي، وطرحت أسئلة عميقة حول علاقة الشهرة بالموت، وحول حدود الجشع الإنساني حين يصبح الجسد ذاته، قبل الذكرى، موضوع ابتزاز ومساومة. إنها قصة تتقاطع فيها المأساة بالسخرية، والواقعية بالبلاهة، بحيث تبدو وكأنها مشهد مقتطع من أحد أفلام تشابلن نفسه ، إلا أنها وقعت بكل فجاجتها على أرض الواقع.
حادثة السرقة
كان الشتاء قد انسحب ببطء عن قرية كورسييه سور فيفي السويسرية الوادعة، حين أُسدلت الستارة على حياة تشابلن في كانون الاول/ديسمبر 1977، ودُفن ببساطة شديدة في مقابر القرية التي احتضنته سنوات طويلة. بدا كل شيء هادئًا، وكل شيء لائقًا برجل أحبّ أن يعيش بعيدًا عن الأضواء في سنواته الأخيرة. لكن الهدوء لم يستمر.
بعد أقل من ثلاثة أشهر، في فجر يومٍ بارد من آذار/مارس 1978، وصلت إحدى العاملات في المقبرة لتكتشف أن التربة التي تغطي قبر تشابلن قد انقلبت رأسًا على عقب. لم يكن هناك أي أثر للتابوت المصنوع من الخشب الفاخر في القبر الفارغ. تقول ابنة تشابلن، جيرالدين، التي هرعت إلى المكان حينها: “بدوتُ وكأنني في كابوس، شيء لا يُصدَّق. لم أتخيل أن أحدًا قد يفعل ذلك بجثمان والدي وذكراه”.
بدأت الشرطة فورًا مطاردة مضنية، بينما كانت العائلة تعيش صدمة عبثية. زوجته أونا تشابلن، التي عُرفت بصمتها المتزن، قالت لاحقًا في إحدى المقابلات: “سرقوا جسده، لكنهم لم يمسّوا مكانته ولا ذكراه. لو كان هنا لضحك من سخافة الأمر”. لم يطل الوقت حتى وصل أول اتصال من الخاطفين. كان الصوت رجوليًا، جافًا، مباشرًا:” لدينا تابوت تشابلن. إذا أردتم استعادته، ستدفعون مبلغ الفدية”. الطلب كان ستّمئة ألف فرنك سويسري.وقد كان مبلغا كبيرا جدا حينذاك.
الصدمة تحوّلت إلى تحدٍّ. رفضت الأرملة أونا تشابلن دفع أي مبلغ، لكنها تعاونت مع الشرطة لتتبّع الاتصالات. بدأ الخاطفون يستخدمون أكشاك الهاتف العامة في القرى المجاورة، متوهمين أنهم قادرون على تضليل السلطات. لكن الشرطة وضعت خطة طويلة النفس تقوم على مراقبة خطوط الهاتف واحدةً تلو الأخرى، حتى وصل عدد الأكشاك التي خضعت للرقابة إلى نحو مئتين.
وفي موازاة ضغط الشرطة، كان الخاطفان – وهما ميكانيكيّان شابّان عاطلان عن العمل – يجرّبان تكتيكات بدائية لإطالة الوقت، معتقدَين أن العائلة ستلين ،الصحافة وصفت الأمر بأنه “جريمة بقدر ما هي كوميديا سوداء”، فيما كتبت إحدى الجرائد السويسرية:”حتى في الموت، يبدو أن تشابلن لا يفلت من مشاهد العبث”.
ومع مرور الأسابيع، بدأ الخاطفان يخطئان، يترددان، يتناقضان. أحد الضباط قال لاحقًا: “لم نكن نطارد عباقرة جريمة. كانا رجلين يائسين، ظنّا الشهرة اختصارًا للطريق نحو المال”.
بلغ التحقيق ذروته في منتصف آيار/مايو 1978، حين أمكن للشرطة تحديد موقع أحد المتصلين أمام كشك هاتف قرب بحيرة جنيف. وبعد مراقبة قصيرة، أُلقي القبض على الرجل الأول، ثم الثاني بعد أيام قليلة. لكن بقيت المشكلة الحقيقية: أين الجثمان؟
لم يعرف اللصّان المكان بدقة، إذ دفناه في حقل يبعد عشرة كيلومترات عن المقبرة، دون علامات واضحة. خرجت الشرطة لتفتيش الأراضي الزراعية مستخدمة أجهزة كشف المعادن على أمل التقاط إشارة من مقابض التابوت. وبعد ساعات من البحث المضني، ارتجّت الأرض على صوت معدني خفيف… إنه التابوت.
عندما وصل خبر العثور عليه إلى العائلة، بكت جيرالدين طويلاً. قالت: “شعرتُ أن فوضى العالم هدأت أخيرًا”. أعيد الجثمان إلى المقبرة، وهذه المرة دُفن في تابوت مُحصَّن، وألقي فوقه مترين من الخرسانة المسلحة لمنع أي محاولة مماثلة في المستقبل.
المحاكمة وما وراءها
وُضع الخاطفان في قفص الاتهام، وأظهرت التحقيقات أن الدافع لم يكن سياسيًا ولا أيديولوجيًا ولا حتى نابعًا من هوس بالممثل العالمي، بل كان مجرّد محاولة لابتزاز عائلة مشهورة. وقد حاول أحدهما خلال المحاكمة تبرير الفكرة بـ”اليأس والبطالة”، لكن الصحافة لم تر في ذلك إلا تعبيرًا عن انحدار أخلاقي أعمق.
حُكم على الأول بالسجن أربع سنوات ونصف، فيما نال الثاني حكمًا مخففًا نظراً لدوره الأصغر.وكتب أحد المعلّقين في صحيفة أوروبية:” كانت الجريمة تافهة في تخطيطها، خطيرة في رمزيتها، ومؤلمة لأنها مست كرامة رجل جعل العالم أجمل مما وجده”.
أصداء ثقافية
لم تمضِ على الحادثة سنوات حتى أصبحت مادة سينمائية وفنية. أعيد سردها في أعمال درامية، من أبرزها فيلم The Price of Fame الذي تناول الحادث بصبغة إنسانية، مقدّمًا اللصّين في قالب يمزج الكوميديا بالشفقة، وكأنه يعيد وضع الجرائم الصغيرة في سياق اجتماعي أوسع. وفي المقابل، بقيت الصحافة الثقافية ترى الحدث انعكاسًا للتوتر بين قيمة الشهرة ورغبات المجتمع الاستهلاكي؛ أي كيف يمكن للإنسان أن يتحول إلى “رمز” أو “غنيمة” حتى بعد موتـه.