حين يكون الكتاب رفيقاً معرفياً
عبدالهادي البابي
يأتي كتاب (خير جليس وأسماء ملهمة) للأكاديمي والصحفي الدكتور أحمد عبد المجيد ليقدم مقاربة مغايرة في التعاطي مع النصوص وإعادة قراءتها ... الكتاب الذي يقع في (272) صفحة من القطع الصغير والصادر عن دار الرفاه للطباعة والنشرفي بغداد (2025) يتجاوز كونه مجرد تجميع لـ (عتبات النصوص)، ليتحول إلى وثيقة تأملية تدمج بين تجربة القراءة وفلسفة النقد الإنطباعي الحصيف.فمن عتبة العنوان ودلالاته الكثيرة نجد أن الشق الأول (خير جليس) يعيد إحياء المفهوم الكلاسيكي للكتاب كرفيق معرفي، في حين يمثل الشق الثاني (أسماء ملهمة) المفتاح الإجرائي الذي يلج من خلاله المؤلف إلى عوالم مبدعين آخرين، متخذاً موقع القارئ الشغوف والناقد المتأمل في آن واحد.
والكتاب ينقسم موضوعياً إلى محورين رئيسيين يعكسان إشتغالات المؤلف الثقافية :
المحور الأول : التقديمات الأدبية...حيث تضم هذه المقدمات التي كتبها المؤلف لإصدارات زملائه وأصدقائه من الكتاب (المحترفين والهواة) . وتتميز هذه المقدمات بإبتعادهاعن (المجاملة التقليدية) ، حيث يسعى الدكتور أحمد عبد المجيد إلى إضاءة المساحات المعتمة في النصوص، وأستنطاق مكامن الإبداع والخلفيات الفكرية وراء السطور بوعي نقدي رصين.المحورالثاني ...المقاربات والمراجعات الصحفية...فقد أشتمل هذا المحورعلى قراءات إنطباعية ونقدية نُشرت سابقاً في صحيفة (الزمان) . وهي مراجعات تتجاوز العرض الصحفي السريع لتغوص في النسيج النصي، مستخرجة الجوهر الفني والثقافي للكتب المُتناوَلة.لقد تمثلت القيمة المضافة لهذا العمل في قدرة المؤلف على المزاوجة بين التوثيق الأمين والقراءة الذاتية المتأملة. فهو لا يتوقف عند حدود السرد البيوغرافي، بل يغوص عميقاً في ما وراء التجربة، منقّباً عن مكامن الإلهام ، والسياقات، والدوافع التي صنعت تميز هذه الشخصيات وجعلت منها نماذج تحتذى.
إن كتاب (خير جليس) هو مشروع ثقافي يهدف إلى تبسيط الكتب الملهمة وتقريبها من الجمهور دون الإخلال بعمقها المعرفي . ومن هذا المنطلق، يعيد الدكتور أحمد عبد المجيد تعريف دور الكاتب الصحفي، فلا يقف عند حدود المراقب فحسب..بل يتفاعل مع الحراك الأدبي كـشريك في إنتاج المعنى..ورغم حجم الكتاب المتوسط ، إلاّ أنه يمثل جهداً توثيقياً مهماً للحركة الإبداعية المعاصرة في العراق والعالم العربي ، ويقدم نموذجاً لكيفية تحويل (المقدمة والمراجعة) من مجرد ملحق هامشي إلى نص موازٍ يحمل قيمة فكرية وجمالية قائمة بذاتها..