الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحصن المخترَق .. عندما يكون العدو في صدورنا

بواسطة azzaman

الحصن المخترَق .. عندما يكون العدو في صدورنا

راجي العوادي

 

لم يكن الإنسان يوماً مجرد رقم في معادلة الطبيعة، بل هو ساحة المعركة الأزلية بين الخير والشر, وفي تاريخ الوعي الإنساني ، اعتاد السواد الأعظم من البشر على إسقاط خطاياهم وهفواتهم على شماعة الغيب ، مشيرين بأصابع الاتهام دائماً إلى ذلك العدو الخارجي المتربص: الشيطان. ولكن، إذا أمعنا النظر في هندسة النفس البشرية ، وفي كواليس الإرادة والقرار، سنكتشف حقيقة أكثر عمقاً وصدمة ؛ حقيقة أن الحصن ليس مهدداً بحصار خارجي ، بل هو مخترَق من داخله، وأن العدو الأشر والأعتى لا يسكن في عتمة الغيب ، بل ينام ويستيقظ بين ضلوعنا.. إنها النفس .

سيناريو الغواية : المحرّض والمنفّذ

لتفكيك هذه المعضلة، دعونا نتأمل في ميكانيكية السلوك البشري عبر مشهد تفاعلي. يقف الشيطان خارج أسوار الإرادة الإنسانية ، لا يملك يداً تبطش، ولا قدماً تسعى ، ولا سلطة مادية تقهر. كل ما يملكه هو "صوت"؛ ذبذبة خفيفة تُسمى في أدبيات السلوك بالوسوسة, هو أشبه بمحرض ذكي يقف على الرصيف، يقدم مقترحات ومشاريع للغواية ، ويزين القبيح ليرشحه للقبول.

لكن المفارقة تكمن هنا: المقترح يظل حبراً على ورق ما لم توقّع عليه جهة التنفيذ, وهنا يأتي دور "النفس". النفس هي التي تمتلك أدوات الحركة، هي التي تشتهي ، وهي التي تملك سلطة القرار أن تفعل أو لا تفعل , لو كانت النفس حصناً منيعاً مزكاة بالوعي ، لارتدت وسوسة الشيطان على عقبيه خائبة. الشيطان يرمي الشرر فحسب، لكن النفس هي التي تختار أن تكون حطباً جافاً سريع الاشتعال ، أو أن تكون ماءً يطفئ اللهب في مهدِه.

المحاكمة الكبرى: شهادة براءة من الغريم

أقوى القرائن السردية والميتافيزيقية التي تثبت أن النفس هي الجذر الحقيقي للشر، تتجلى في ذلك المشهد الدرامي المهيب الذي صوره القرآن الكريم للمحاكمة الكبرى يوم القيامة. في لحظة الحقيقة، عندما يلتفت البشر إلى الشيطان ليلقوا عليه بمسؤولية ضياعهم، يقف الأخير خطيباً ليعلن براءته في مرافعة تاريخية مذهلة:

{ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  - ابراهيم 22}.

في هذه الآية، يضع الشيطان يده على الجرح الحقيقي. إنه يقول للإنسان: أنا لم أكن سوى مرآة عكستْ هواك الكامن، أنا دعوتكم فقط، لكن الاستجابة نبعت من أعماقكم. لم يكن الشيطان هو الذي دفع قابيل لقتل أخيه هابيل في الجريمة الأولى على الأرض، بل إن النص الحكيم حدد المجرم بدقة: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ,ا لمائدة - 30 } النفس هي التي طبخت الفكرة، وهي التي باركتها، وهي التي نفذتها.

غياب المثير وبقاء الأثر

إذا انتقلنا من النص إلى الواقع الحسي، نجد قرينة دامغة تتكرر في حياة الأمة سنوياً: شهر رمضان. في هذا الشهر، وبحسب الموروث والوعي الإيماني، تُصفّد الشياطين وتُغل سلاسلها، ويُحجب تأثيرها الخارجي تماماً عن المشهد. منطقياً، لو كان الشيطان هو المصدر الوحيد والأساسي للشر، لصار كوكب الأرض في هذا الشهر مدينة فاضلة خالية من الأخطاء.

لكن الواقع المشاهد يقول عكس ذلك؛ فالجرائم تحدث، والظلم يُمارس، والأثر السيئ يظهر. هذا الانفصال بين غياب المثير الخارجي (الشيطان) واستمرار الأثر (الذنب) دليل حسي قاطع على أن داخل الإنسان محركاً ذاتياً للشر يعمل بشكل مستقل، وهي تلك "النفس الأمّارة بالسوء" التي لا تهدأ، والتي وصفها النص القرآني بصيغة المبالغة للدلالة على إلحاحها المستمر، بينما وُصف كيد الشيطان بالضعف.

خاتمة : الجهاد الأكبر

إن الحرب مع الشيطان حرب سهلة نسبياً؛ إذ يكفي لطرده وعي خاطف، أو استعاذة صادقة، أو التفاتة قلبية نحو النور، فيخنس ويتراجع ليبحث عن ثغرة أخرى. أما المعركة مع النفس فهي معركة بقاء ممتدة لا تعرف الهدنة، لأن العدو هنا لا يغادر الحصن أبداً؛ إنه ينام معك، ويتنفس من رئتيك، ويعرف نقاط ضعفك الخفية.

لذا، لم يكن غريباً أن يُسمى كبح جماح هذه النفس بـ "الجهاد الأكبر". والوعي بهذه الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو الخلاص؛ فحين يتوقف الإنسان عن إلقاء اللوم على المؤثرات الخارجية، وينظر بصدق وشجاعة إلى داخل صدره، يبدأ حينها فقط طريق التزكية، حيث تتحول النفس من عدو أمّار بالسوء، إلى نفس لوّامة تصحح المسار، وصولاً إلى طمأنينة الوعي الكامل.

*اكاديمي وكاتب عراقي


مشاهدات 86
الكاتب راجي العوادي
أضيف 2026/05/31 - 1:00 PM
آخر تحديث 2026/06/01 - 2:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 142 الكلي 15875623
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير