الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مملكة البطون العراقية

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

مملكة البطون العراقية

ياس خضير البياتي  

 

في العراق، لم تعد التنمية مشروع دولة، بل مشروع معدة. صار الفضاء العام ذا صوتين: صوت السياسة وصوت البطون. البطون هنا ليست مجرد أعضاء؛ هي مواطنات ومواطنون يحملون هويات وتيارات حبٍّ للطعام تدفعهم إلى المطاعم كطيور مهاجرة تبحث عن شربة تهدئ الغريزة.

فالبلاد التي تعجز عن بناء مصنعٍ خلال سنوات، تستطيع أن تفتتح عشرات مطاعم المشويات في ليلةٍ واحدة، وكأن الاقتصاد الوطني قائم على نظرية: “ما دام الكباب ساخنًا فالوطن بخير”.

هنا، في “مملكة البطون العراقية”، تكبر الكروش أسرع من المدن، وتنتفخ بطون الحرامية أكثر من موازنات الوزارات. أما التنمية، فتبدو كطفلٍ يتيم يقف خلف زجاج المطاعم، يشاهد الولائم تُلتهم باسمه، دون أن يتذوق منها شيئًا.

في بغداد والموصل وأربيل، يتحرك الليل العراقي على إيقاع المعدة. الشوارع مزدحمة، لا بالمكتبات أو المسارح أو مشاريع الابتكار، بل بطوابير المشويات والباجة والكصّ وكباب أربيل.شاب يحمل “دبل برغر” كما لو أنه يرفع راية تحرير، وآخر يلتقط صورة لصحن باجة كأنه إنجاز هندسي دخل موسوعة الاكتفاء الوطني.

التطبيقات والإشعارات تعمل كمنبه جماعي لإطلاق هجمات ليلية على المطاعم: «خصم على كباب أربيل!»، فتخرج سيارات الطلبات كقوافل تحمل صناديق مشويات، وتنتشر رائحة الفحم كأنها إعلان بانورامي للمدينة.

وفيما تتحدث نشرات الأخبار عن “الخطط الاستراتيجية للتنمية”، يكون المواطن قد أنهى نفر كباب، وطلب مقبلات إضافية، ثم تنهد بحكمة خبير اقتصادي قائلاً: “الأوضاع صعبة والله”.

العراق اليوم بلدٌ يمتلك أخطر مفارقة في المنطقة:تنمية البطون تزدهر، بينما تنمية الإنسان تتضور جوعًا.

الفساد هنا ليس مجرد سرقة أموال، بل عملية هضم وطن كاملة. لصوص التنمية لا يسرقون المشاريع فقط، بل يلتهمون الإسفلت قبل تعبيده، والكهرباء قبل وصولها، والمستشفيات قبل افتتاحها. كل شيء يدخل إلى معدة الفساد ثم يختفي، حتى بدا العراق كدجاجةٍ تبيض موازنات ذهبية ويأكلها سماسرة السياسة قبل أن تصل إلى الشعب.

الطريف أن هذا الشغب في البطون يقف متناقضاً مع الشكوى من الغلاء. ستسمع شخصاً يتحدث عن الاقتصاد قائلاً: «الأمور ماشيه عكس التيار»، وبعد دقيقة يطلب «نفر كباب أربيل مع بطاطا ولبن اربيل وباقة مقبلات».

وفي بلدٍ ترتفع فيه أسعار الكتب ويكثر فيه عدد مطاعم “العوائل”، يصبح من الطبيعي أن تجد مطعمًا يحقق أرباحًا أكثر من مؤسسة ثقافية، وأن يصبح “الشيف” أشهر من الباحث، وصانع المحتوى الغذائي أكثر نفوذًا من الأستاذ الجامعي.

حتى اللغة تغيّرت. لم يعد السؤال: “كيف نبني البلد؟بل: “وين أحسن باجة هسه؟

ولأن العراقي بارع في تحويل المأساة إلى نكتة، فقد تعلّم أن يقاوم الخراب بالشبع المؤقت. يأكل كثيرًا لأنه متعب، ويضحك كثيرًا لأنه خائف، ويتحدث عن الوطن بينما يغمس الخبز بمرق الفساد الساخن.

أما الحرامية الكبار، أولئك الذين سرقوا التنمية وأكلوا أحلام الناس، فقد بنوا جمهوريتهم الخاصة: جمهورية الكروش المنتفخة، حيث المشاريع الوهمية تُهضم أسرع من وجبات الليل، وحيث كل مسؤول يزداد وزنًا كلما خسر الوطن كيلوغرامًا جديدًا من كرامته.

وفي النهاية، يبدو العراق كأنه بلد يعيش مفارقة عبثية مذهلة: الشعب يأكل لينسى،والفاسدون يأكلون كي لا يتوقف النسيان.

في العراق تزدهر تنمية البطون بينما تقتل تنمية الاقتصاد والعقول.

yaaas@hotmail.com

 


مشاهدات 53
الكاتب ياس خضير البياتي
أضيف 2026/05/31 - 4:09 PM
آخر تحديث 2026/06/01 - 1:37 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 108 الشهر 108 الكلي 15875589
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير