الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية في قصيدة متى تستقيم الحياة؟ لعبد المنعم حمندي


قراءة نقدية في قصيدة متى تستقيم الحياة؟ لعبد المنعم حمندي

فيليب أبي فاضل

 

ما أن قرأت الكلمات الأخيرة في قصيدة الشاعر الكبير عبد المنعم حمندي...المنشورة في جريدة الأهرام المصرية في يوم 27 مارس 2026

''أعطني البحر من دونما صخب...هادئا..

يغسل الحلم من أعين نازفة..مات حلمي وإن لم أمت...''

حتى استوعبت عبثية كوني عربيا، أسعى والعرب أهلي إلى حلم لا نسعى إلى بلوغه أو التقرب منه،حلم يموت ونحن لم نمت،ولا أقول إننا أحياء، كيف نعلم بالبحر يغسل حلما، أليس هذا الحلم عينه الذي أدى إلى احتلال كياننا عشرات السنين؟!؟ ونحن نحلم بفلسطين؟!؟ ولا نعمل لها، بل ننساق لكسب رضى الغاصب ورافده؟! أميركا التي تناولتها أيها الشاعر في قصيدة سابقة لفتتني، وحملتني على طرح مسابقة تحاكي كلماتها كلمات تلك القصيدة....

لغة إنسيابية، إلا أنه يشوبها شيء من التعثر في طلب  كسب البحر

،، من دونما،، صخب..ولم يكن يضيرها قول،،دون،، أو ،،،من دون،، أو، ''،من دون ما،،'' صخب...

ولكن بما أن القصيدة تحاكي البنيوية فلا يبقى التوقف عند الكلمات والصياغات أمرا جوهريا...

لا تستغربوا بدء القراءة من الخاتمة لأنها تستحق التوقف عندها، ونقد الذات وانتقادها في فقدها الحلم وهي حية...

طبقات قصيدة ''متى تستقيم الحياة '' تبدأ 'بطاقة الطلب '،''أعطني '' مقرونة بالمستحيل ''البحر'' ،الشجر اليافع السابق العاصمة،  ''والغيوم '' تنثر السلام..

وتتدرج القصيدة إلى مرحلة الهجرة والتساؤل،

فالشاعر ترك الموانئ للحالمين لا لنوتي أو قواد سفن.!

عبثية تستدعي السؤال وتستوجبه '' متى تستقيم الحياة ''

وترتقي القصيدة إلى تناول أنفسنا وجيلنا جيل جثا/ ركع، ما يدري أن الصعود نزول،جيل يقدس ليله الموميات، وللتقدم والتعمق في البنيوية لا بد من الانعكاس إلى الداخل: ''حيث يغدو الضمير مرايا تفتش عمن عبر.''

ما فات الشاعر أن مرايانا لم تبق تعكس واقعا لأن بلورها قد انكسر..فبات يطلب ''فأس نار ،يشق الضريح، كي يعود المسيح،،،

ولن يعود أيها الشاعر العربي والصهيونيون يحتلون مكان ضريحه...

نحن صرختنا المحبة ،ولكن المحبة تنادي المحبة..ومن في بلاد العرب  ،لا سيما فلسطين، يفيض بالحقد مدعوما من التي سبق أن أخبرتنا عنها وصفتها أصدق الوصف..أميركا ..

وتتجلى الوطنية في الشاعر، فيرتقي إلى طبقة جديدة من الطلب في القصيدة:

''أعطني وطنا...لا يبيع الخرا ئط ''  صرخة تستفز '،ووطنا يستعيد ملامحه من مرايا المدى....

تابع رسائلك الوطنية؟؟ومع التكرار، يقول المثل اللبناني الشعبي..

''الحبل يقطع خرز البير''

نحن أمام نص شعري مشبع بالرموز، ينتمي لقصيدة التفعيلة التي تمزج بين الوجدان الذاتي والهمّ الجماعي (الوطني والإنساني). الشاعر عبد المنعم حمندي يكتب هنا بنفسٍ فلسفي حزين، لكنه يرفض الاستسلام.

​تتمحور القصيدة حول ثنائية (الضياع/الاستعادة). تبدأ القصيدة بطلب المستحيل "أعطني شجراً يافعاً يسبق العاصفة"، وهو استهلال يشي برغبة في تجاوز الواقع المأزوم.

يظهر نقد جيل بأكمله في مقولة "نحن جيل جثا فوق صدر المنى"، وهو تعبير قوي عن خيبة الأمل وانكسار الأحلام الكبرى.

 يتحول الوطن في النص من حيز جغرافي إلى "خرائط تُباع" و"رمل يسكب في الرئات"، مما يعكس حالة الاغتراب الشديدة.

استدعاء رمزية المسيح "كي يعود المسيح.. وعلى كتفه نجمة وهلال جريح" هو محاولة لدمج الأمل بالخلاص الإلهي أو الإنساني المتجاوز للطائفية، حيث يجتمع الهلال والنجمة في جرح واحد.

​لغة الشاعر لغة شفافة، تميل إلى "أنسنة" الطبيعة والجمادات لخدمة الحالة الشعورية.

 أجاد الشاعر استخدام المفارقة مثل "الصعود نزول"، و"يشعل النار تحرقه في الجليد". هذه الصور تعبر عن حالة التخبط واللاجدوى التي عاشها جيله.

"يغسل الضوء"، "يشرب دمع السراب"، "يخيط جروحي بخيط من يد الفجر". هذه الصور تمنح النص أبعاداً سريالية تجعل الألم ملموساً.

 استخدام مفردات (المومياءات، الرفات، نعيق الغراب، الضريح) أضفى جوّاً جنائزياً على القصيدة، يعكس عمق المأساة التي يتحدث عنها.

تكرار "أعطني":  هو "ترجيع" موسيقي ودلالي يعزز نبرة الاستغاثة أو الطلب الوجودي، وكأن القصيدة صلاة طويلة.

​رغم قوة النص وجزالة لغته، هناك نقاط قد تزيد من تماسكه.

 في مقطع "نحن جيل جثا.. ما جنى غير حلم بعيد"، كانت اللغة خطابية تقريرية بعض الشيء مقارنة ببقية القصيدة التي تعتمد الرمز والتدفق الصوري.

 القصيدة مزدحمة جداً بالرموز (المسيح، الهلال، النجمة، الفأس، السنابل، الغراب، القناديل). أحياناً يؤدي تلاحم الرموز الكثيرة في نص واحد إلى تشتيت القارئ عن "الخيط الناظم" الأساسي.

 "مات حلمي وإن لم أمُت!" نهاية قوية جداً وتلخص المفارقة الوجودية، لكنها جاءت بعد مقطع فيه نوع من التفاؤل (يد الفجر، درب الهدى)، مما أحدث قفزة شعورية حادة ومفاجئة.

​قصيدة "متى تستقيم الحياة؟" هي مرثية لجيل، وصرخة في وجه الخراب. نجح الشاعر في جعل "الأنا" الفردية مرآة لـ "الأنا" الجمعية. هي نص يقطر بـ "جماليات الوجع"، ويمتاز بقدرة عالية على تطويع المفردة لتخدم مشهداً سينمائياً حزيناً للواقع العربي.

وسنبقى بانتظار أعمالك الوطنية، وإن تخاذل العرب عن الإستجابة..

 

قصيدة

متى تستقيم الحياة ؟

.....

​أعطِني شجراً يافعاً.. يَسبقُ العاصفةْ

أعطِني البحرَ من دونِما صخبٍ..

وغيوماً تنثُّ سلاماً.. على مُدُنٍ خائفةْ.

​قَد تركتُ الموانئَ للحالمينْ

وتلكَ الرياحُ غَدتْ أمنياتْ..

وصدى ذكرياتْ..

مطرٌ يغسلُ الضوءَ في وحشةٍ مُزدراةْ

فمتى تستقيمُ الحياةْ..؟

.....

​نحنُ جيلٌ جثا.. فوقَ صدرِ المنى

ما جنى  غير حلم بعيد

ذنبَهُ..الحلم في وطن يستعيد النشيد

 بعضنا ضاع في التيه ،

ما كان يدري بأن الصعود نزولٌ

وان الذي يشعل النارَ ،

تحرقهُ في الجليدْ.

......

​نحنُ مَن أوقد الضوء في الكائنات

في ضياءَ النجومْ

في ترابٍ يلوكُ..الرفات

يأكلُ الصبحَ من ريش عصفورةٍ

ويُقدّسُ في ليلِهِ المومياءاتْ!

......

يخلعُ الوقت ساعاتِهِ

ويصيرَ غباراً.. يكلّم صمتَ الحجرْ

حيث يغدو الضمير مرايا

تُفتّشُ عمّن عبرْ

ليسَ في الحِلم ذنبٌ..

 إذا لم نجدْ في دمانا..

جذوراً تمدُّ اليدينِ.. لِضوء القمرْ !

​أعطِني فأسَ نار.. يَشقُّ الضريحْ

كي يعودَ المسيحْ..

وعلى كتفِهِ نجمةٌ.. وهلالٌ جريحْ

موتنا يرفضَ الموتَ..

 إنَّ المحبةَ آخِرُ صرختِنا..

في الوجوهِ التي خلَّفتنا..

عظاماً وريحْ!

....

نحنُ سرُّ الغياب.

ونحنُ الحضورُ المؤجلُ

نحنُ السنابلُ.. نشربُ دمعَ السرابِ

نستعيدُ ملامحَنا.. في الضباب

أعطِني لغةً.. تَغسلُ الصَّدأ العالِقَ..

فوقَ  السحاب

أعطِني وطناً.. لا يبيعُ الخرائطَ..

لا يسكبُ الرَّملَ في رئتَيْنا..

لكي يَرتدي موتنا في نعيق الغراب

......

مـدنٌَ خائفةْ..

تخلعُ الآنَ أثوابَها الزائفةْ..

وتطردُ عن بابِها ظلَّ تلكَ الحروب

التي سكنتْ في الغروب..

وفي العاصفةْ.

​لأقولَ لمن في السماء..

 بأنَّ الصعودَ..

سيبدأُ من وجهِ طفلٍ..

يُلملمُ كل حروف الهجاء.

ويغرسُ في قلبِنا..

أبجديتَهُ في البكاء

أعطني صرخةً..

تستفزُّ الوقوفَ بوجهِ الرياحِ

​لأرى في دمي..

مدناً تستباح

وتُفتّقُ كل الجراح

وتُعيدُ الصدى..

للنشيدِ الذي ضاعَ في ليلِنا..

مِثلَ طيرٍ كسير الجناح

.....

​أعطني وطناً..

يستعيدُ ملامحَهُ من مرايا الندى

ويخبئُ تحتَ لسانِ الحنينْ.

​لأقولَ بأنّي نجوْتُ..

وأنَّ طريقي..

سنابلُ تزرعُ فوقَ الجبين

صلاةَ اليقينْ.

 في دموعِ القناديلِ..

يصحو بخفقةِ طين

​......

أرهقتنا المسافاتُ

والخُطواتُ العثيرةُ

والأمنياتُ التي لم تزلْ..

في مهبِّ رياحِ الشتاتْ.

أسرح الٱن بين الطيوف

وبين  انبعاثي من الذكرياتْ.

​ثم أزرعَ في عتمةِ اليأسِ صوتاً

تعافى، يعيدُ المنى..

للحروفِ التي ماتَ فيها الصهيلُ

وغابتْ بليلِ السُّباتْ.

......

​أعطني من يدِ الفجرِ خيطاً

يخيطُ جروحَي بدرب الهدى..

 بسمةً من ثغورِ الصدى..

​لأقولَ بأنِّي طويت المدى

أعطني صمتَ ليلٍ يلمُّ الشتاتَ

ويسكبُ خمرَ المنى..

 في الرؤى الخاطفةْ

أعطني البحرَ من دونما صخبٍ

هادئاً..

يغسلُ  الحلمَ من أعينٍ نازفةْ.

​مات حلمي وإن لم أمُت..!

......

" عبد المنعم حمندي"

5-3-2026


مشاهدات 54
الكاتب فيليب أبي فاضل
أضيف 2026/03/29 - 3:48 PM
آخر تحديث 2026/03/30 - 12:12 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 26 الشهر 24276 الكلي 15216344
الوقت الآن
الإثنين 2026/3/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير