أزمة غاز أم أزمة مفاهيم؟
هدى زوين
في ظاهر المشهد، أزمة غاز تُربك الحياة اليومية: طوابير طويلة، انتظار مُنهِك، واحتياج يتحوّل إلى معاناة يومية تمسّ أبسط تفاصيل الناس. لكن اختزال ما يجري في “أزمة توزيع” أو “نقص مادة” هو قراءة سطحية لا تلامس جوهر المشكلة.
المسألة اليوم لم تعد فقط أزمة غاز، بل أزمة إدارة قرار وأزمة إدارة وعي للأزمة نفسها.
أولًا، هناك خلل واضح في صناعة القرار وغياب الاستباقية.
الأزمات لا تُدار في لحظتها فقط، بل تُدار قبل وقوعها. حين تتحوّل الحاجة الأساسية إلى مشهد متكرر من الازدحام والضغط، فهذا يعني أن التخطيط كان غائبًا، أو أن المعالجة جاءت متأخرة دائمًا، تُطفئ النار بدل أن تمنع اشتعالها.
ثانيًا، يظهر بوضوح ضعف خلية إدارة الأزمات في قراءة الواقع لا في تبريره.
وظيفة خلية الأزمات ليست إصدار التطمينات، بل إدارة الخلل، وفتح بدائل حقيقية، ومنع تحويل المواطن إلى الحلقة الأضعف في كل مرة. لكن ما يُلاحظ هو أن الأزمة تُدار إعلاميًا أكثر مما تُدار عمليًا، وكأن الهدف تهدئة الصورة لا حلّ المشكلة.
ثالثًا، هناك إشكالية في تحميل المواطن كلفة سوء الإدارة.
حين يُترك الناس في طوابير طويلة للحصول على حاجة أساسية، يصبح السؤال مشروعًا: أين القرار؟ أين المتابعة؟ أين آليات الحماية من تكرار هذا المشهد؟
الخلل لا يُقاس فقط بوجود الأزمة، بل باستمرارها دون حلول جذرية.
رابعًا، الأخطر هو تطبيع الأزمة بدل حلّها.
فبدل أن تكون الأزمة دافعًا للمراجعة والمحاسبة، تتحوّل تدريجيًا إلى واقع مألوف. وهنا تنتقل المسؤولية من إدارة مؤقتة للخلل إلى قبول ضمني به، وكأن الأزمة قدر لا يُسأل عنه أحد.
إن إدارة الأزمات ليست بيانات تُقرأ، ولا تبريرات تُقدَّم، بل هي فعل مسؤولية يُقاس بنتائجه لا بنواياه.
وعندما يفشل القرار في حماية أبسط احتياجات الناس، وعندما تتكرر المشاهد دون معالجة جذرية، يصبح السؤال مشروعًا حول كفاءة الإدارة لا حول صبر الناس.
ليست الأزمة في غازٍ ينقص فقط، بل في قرار لا يسبق الحدث، وخلية أزمة تُلاحق النتائج بدل أن تمنعها، ومنظومة إدارة تُحمّل المواطن كلفة ما لم يصنعه.
المشكلة ليست في أن الأزمة تحدث… بل في أنها تُدار بطريقة تجعلها تستمر.