الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بنت العمدة


بنت العمدة

عاطف لبيب النجمي

 

في صعيد مصر، عام 1918، كانت الأرض تغلي بصمتٍ ثقيل

القرى على ضفاف النيل تبدو هادئة، لكن خلف الأبواب كانت الأمهات تبكي أبناءً يُساقون قسرًا إلى بلاد الخواجات، ليكونوا خدمًا في جيشٍ لا يعرفون لغته ولا قضيته. خدمًا لجنود وضباط إنجلترا.

في تلك الأجواء، كان ياسين - خريج جامعة الأزهر الذي يتحدث الإنجليزية والفرنسية بطلاقة بعد أن باع والده خمسة أفدنة لتعليمه - قد أصبح اسمًا يتردد همسًا بين الرجال... ليس لكونه خريجًا متفوقًا للأزهر فحسب، لكن لأنه شاب نحيل، بعينين تشتعلان عزيمة، يقود مجموعات المقاومة في الجبال والوديان، يضرب ثم يختفي كأنه شبح من تراب الصعيد.

أما زينب الشرقاوي فكانت شيئًا آخر تمامًا. ابنة عمدة القرية، درست الطب في إنجلترا وتساعد أهل القرية رغم اعتراض العمدة والدها، ولا تعمل بعيادة أو مستشفى... تسكن قصرًا ملحقًا به ديوان العمدة تُرفع فيه أعلام الإنجليز، ويُستقبل فيه الضباط بالابتسامات والولائم، وتُعقد به اجتماعاتهم. خلف شبابيك غرفتها العالية، كانت تنظر إلى العالم بعينين مختلفتين... عينين لا تريان في ياسين متمردًا، كما يصفه العمدة والضباط المصريون والإنجليز، بل ترى فيه الوطن. وطنًا للمصريين بلا خيانة.

التقيا وجهًا لوجه عن قرب أول مرة في منزل قريب ياسين. كانت زينب تعالج أبناء قريبه من نزلات معوية، وفي هذا المنزل تبادلا النظرات وتأكد الحب الذي وُلد منذ أول لقاء تم من قبل بلا سلام ولا حوار. وتكرر اللقاء عن بعد، لكن هنا كانت الأحاسيس تعلن تمردها على كل العادات والتقاليد. وهنا انحنت زينب على حافة السرير وسطرت سطرًا في ورقة صغيرة، وتظاهرت أنها تضعها في حقيبتها وقد أخفتها في يدها وهي تمد يدها تصافح ياسين. دستها بيده وهو يسلم عليها. خرج بعدها بقليل وفتح الورقة فإذا بها تحدد له يومًا وساعة للقاء بجوار ساقية قديمة، بعيدًا عن أعين الناس.

قالت له عند اللقاء وهي ترتجف

"أنا مش زيهم يا ياسين... أنا معاك." 

نظر إليها طويلًا، كأنه يختبر صدقها، ثم قال بهدوء

"الكلمة دي ممكن تقتلك يا زينب." 

ابتسمت رغم الخوف

"وأنا موافقة."

ومنذ تلك الليلة، صارت زينب عينًا داخل ديوان العمدة

تنقل الأخبار، تحذر، تهمس له بأسماء الحملات ومواعيد تحركات الجنود. وكان ياسين كلما رآها يشعر أن الثورة لم تعد فقط من أجل الأرض... بل من أجلها هي أيضًا.

لكن الخيانة لا تختبئ طويلًا.

في إحدى الليالي، تسرب الخبر إلى آذان الإنجليز

لم يصرخوا، لم يهددوا... بل جاءوا بصمتٍ بارد، وأخذوها من غرفتها

اختفت زينب.

حين وصل الخبر إلى ياسين لم يغضب... بل سكنه صمت مرعب

ثم قال لرجاله

"دي مش معركة... دي حياة أو موت."

خطط بدقة

عرف مكان احتجازها في معسكرٍ قرب النهر، محاط بالحراسة

وفي ليلةٍ بلا قمر، تسلل هو ورجاله. اشتبكوا بصمتٍ قاتل، حتى وصل إلى الخيمة التي تُحتجز فيها

دخل... 

وجدها مكبلة، لكنها حين رأته ابتسمت

قالت بصوتٍ خافت

"كنت عارفة إنك هتيجي." 

رد وهو يفك قيودها

"أنا لو ما جيتش... أبقى مش ياسين."

خرجا تحت وابل من الرصاص، والليل يحميهما

ولم يتوقفا... لم يعودا إلى القرية... بل واصلا الهرب، حتى وصلا إلى سواحل البحر، ومنها بدأت رحلة طويلة انتهت في فرنسا.

هناك، في بلدٍ مختلف مع إنجلترا ويرفض انفرادها باحتلال مصر، سمع بقصتهما قبل وصولهما فمنحهما أمانًا لم يعرفاه من قبل. أمانًا ليخدما فرنسا ضد إنجلترا

تزوجا في المركز الإسلامي، بلا أهل، بلا ضجيج... فقط وعدٌ بأن ما بدأ في الصعيد لن ينتهي.

لكن ياسين لم يتخلَّ عن قضيته

بدأ يكتب... يحكي ما حدث، ما رآه، ما فعلته إنجلترا بالشباب المصري

وانضمت زينب إليه، تروي شهادتها... كيف كانت ابنة العمدة التي اختارت أن تخون السلطة لأجل الوطن.

تحولت قصتهما إلى حملة صحفية في فرنسا، تفضح ما يحدث في الجنوب

الصحف تتناقل، والضغط يكبر... وأصبحا نجمَي ندوات ومؤتمرات الجامعات والتجمعات الثقافية، تتابعهما الصحافة الدولية حتى اضطرت إنجلترا، تحت هذا الضوء، إلى وقف حملات ترحيل الشباب.

في إحدى الأمسيات، جلست زينب بجوار ياسين وقد بدأت ملامح الأمومة تظهر عليها

وضعت يدها على بطنها، وقالت

"ابننا هيكبر هناك على ضفاف النيل... وقد رحل الخوف." 

نظر إليها، ثم إلى السماء، وقال

"في الصعيد... سنجعل شاعر الربابة يحكي له بطولة زينب." 

قالت بتحدٍ: "بل يحكي قصة حب زينب وياسين، والتمرد على القصر، فوق أرض علمتنا نحب." 

وأسندت رأسها على كتفه

وفي تلك اللحظة، لم تكن الثورة فقط قد أنقذت وطنًا... 

بل أنقذت قلبين، وجمعت بينهما قصة حب وُلدت من الخطر، وعاشت بالوفاء. واستقبلهما في مصر سعد زغلول ومعهما ابنهما جمال


مشاهدات 58
الكاتب عاطف لبيب النجمي
أضيف 2026/04/15 - 12:02 PM
آخر تحديث 2026/04/16 - 4:34 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 181 الشهر 13177 الكلي 15231250
الوقت الآن
الخميس 2026/4/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير