متاهة المخابرات.. تشكيل خلية أزمة تشيكية بعد إنهيار برجي نيويورك
عبد الحسين شعبان
شيء من التقديم
خلال زيارتي الأخيرة لجمهورية تشيكيا، أخذت أقلّب في الذرائع التي تسبّبت في إشعال الحرب على إيران، والتي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل وما تزال مستمرة، فوجدتها تكاد تكون مشابهة للذرائع والحجج الكبرى والصغرى التي استُخدمت ضدّ العراق، حتّى تمّ غزوه واحتلاله في العام 2003، وكان أحد الأصدقاء قد لفت انتباهي إلى كتاب صدر باللغة التشيكية في العام 2014، عنوانه «متاهة أجهزة الاستخبارات» لمؤلفه ييرجي روجيك، مدير المخابرات التشيكية الأسبق، والذي يأتي فيه على مطبخ عمليات المخابرات المركزية الأمريكية لأبلسة العدو.
حين اطّلعت على تصريح الملياردير الأمريكي ستيف ويتكوف (2026)، المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول قدرة إيران على إنتاج قنبلة نووية خلال أسبوع، استعدت تصريح كولن بأول (2003)، وزير الخارجية الأمريكي حينها، حول «امتلاك العراق أسلحة دمار شامل»، علمًا بأن الفارق بين التصريحين 23 عامًا.
وكانت المخابرات الأمريكية قد سوّقت معلوماتها الاستخباراتية تلك باعتبارها معلومات لا يرقى إليها الشك، لكنه تبيّن لاحقًا أنها غير صحيحة، بل وملفقة أيضًا، وقد جرى الترويج لها بتعمّد وعن سابق إصرار باعتراف كولن بأول والرئيس جورج دبليو بوش بعد تمشيط العراق، عُقب احتلاله، شمالًا وجنوبًا وشرقًا وغربًا، ولعدّة شهور دون إثبات وجود أسلحة دمار شامل، لكن الضحايا الأبرياء ذهبوا ولم يعودوا، سواء من قضى بالحصار أو لقيَ حتفه بالحرب، فضلًا عن تدمير العراق واستنزاف طاقاته وتفكيك نسيجه الاجتماعي وتركه عرضةً للفساد والطائفية والعنف والإرهاب.
واليوم فإن وكالة الطاقة الذريّة لم تؤكّد المعلومات التي ساقها ويتكوف بحق إيران لتبرير شن الحرب بحجة الخطر الوشيك الوقوع، ومع ذلك فقد اندلعت ما سُمّي ﺑ «الحرب الوقائية» لمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية، علمًا بأن الرئيس ترامب كان قد صرّح في حزيران / يونيو من العام 2025، وبعد الهجوم على إيران، أنه لم يعد بإمكانها تحقيق طموحها النووي بعد تدمير منشآتها.
مؤلف الكتاب
د. ييرجي روجيك هو مؤلف الكتاب، خريج كلية الفلسفة من جامعة تشارلس العريقة، وقد سبق له أن عمل في معهد الاستشراق، والذي زرته أكثر من مرة، وأجريتُ مقابلة مع ميلوش مندل، أحد المستشرقين الشباب حينها، ونشرتها في مجلة الهدف الفلسطينية (أواسط الثمانينيات).
وقد انضمّ ييرجي روجيك بعد انتفاضة العام 1989 التي أطاحت بالنظام التوتاليتاري، إلى مكتب حماية الدستور والديمقراطية، وعمل رئيساً للمخابرات منذ العام 1999 ولغاية العام 2003، علمًا بأن جهاز المخابرات الجديد أُنشئ على أنقاض جهاز الشرطة السرية في العهد الشيوعي، ويروي المؤلف في كتابه الممتع والواقعي المعزّز بالوثائق حكايات طريفة عن فترة نشاطه في جهاز المخابرات التشيكية.
المؤلف يكتب باسمه الصريح ويعبّر عن آرائه بصراحة أيضًا، وهو الأمر الذي يفتقده من يتولون قيادة أجهزة المخابرات في الغالب، وما يهمّنا في هذا الكتاب هو إعداد حكاية سيناريو غزو العراق العام 2003.
11 أيلول/ سبتمبر 2001
كان الحدث الإرهابي الذي قام به تنظيم القاعدة بتدمير برجي التجارة العالميين في نيويورك مأساويًا بكل معنى الكلمة، وذهب ضحيته أكثر من 3 آلاف إنسان بريء، وقد كُتبت عنه العديد من الدراسات والأبحاث والروايات، وساهم كاتب السطور بإصدار كتاب عنوانه «الاسلام والارهاب الدولي - ثلاثية الثلاثاء الدامي»، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2002.
ووسط سحب الدخان والركام الذي خلّفه حادث انهيار البرجين، بدأت تتشكل خلية أزمة تشيكية، كما يقول المؤلف، بدعوة من غروس وزير الداخلية، وذلك في 12 أيلول / سبتمبر، أي بعد يوم واحد من جريمة 11 سبتمبر، إضافة إلى مشاورات مع جهاز المخابرات المركزية الأمريكية بخصوص معلومات عن منفّذي الهجمات، وتم اكتشاف أن أحد المهاجمين واسمه محمد عطا، الذي سبق له أن أقام في براغ مرتين، ومرّ عبر مطار روزيني من العاصمة التشيكية.
محمد عطا
يقول المؤلف أبلغنا ممثلي الاستخبارات الأمريكية ما كان يفعله عطا في براغ، وكان الأمريكيون قد بدأوا يسرّبون المعلومات عن لقاءاته بالسفارة العراقية، وتقول مصادرهم: إن عطا التقى مسؤول المخابرات العراقية في براغ، وقد جعلتنا هذه المعلومة في حالة صدمة وذهول.
ولفهم السياق تجدر الإشارة أن جهاز المخابرات التشيكية كان منشغلاً بتوفير حماية لإذاعة أوروبا الحرّة التي كانت تبثّ من براغ منذ العام 1997، بعد أن وفّر الرئيس فاتسلاف هافل مبنى قرب ساحة فاتسلاف محاطًا بشريانين رئيسيين للمواصلات، وهو مبنى كان يمكن أن يتعرض إلى هجوم، حيث كانت الإذاعة تكرّس برامجها للدعاية ضدّ حكم صدام حسين، وفي الوقت نفسه ضدّ إيران (سياسة الاحتواء المزدوج)، التي بدأت في عهد الرئيس بيل كلينتون، الذي صدر في عهده «قانون تحرير العراق» من الكونغرس الأمريكي (1998).
الأثر العراقي - التشيكي
يقول المؤلف أن السفارة العراقية وطاقمها المقلّص جزئيًا في براغ، كانت تحت المراقبة الدائمة، ولذلك لم يخطر ببالنا ولم تؤكد معلوماتنا أن النظام العلماني الاشتراكي في العراق على صلة بالإسلاميين المتطرفين من تنظيم القاعدة.
الحكاية كانت تبدو غير قابلة للتصديق، لكنّها كانت مغرية للغاية، في ظل أجواء الهستيريا والرغبة في معاقبة المرتكبين على الإهانة غير المسبوقة التي ألحقوها بالولايات المتحدة (ينقل ذلك عن مسوّغاتهم).
لم تكن الإدارة الامريكية تبحث عن الحقيقة، بل تريد توجيه ضربة موجعة على رأس المتّهمين بالإرهاب (العصا الغليظة)، خصوصًا بعد نشر صحيفة لوس انجلوس تايمز المعلومات التي تناقلتها وسائل الإعلام عن الأثر العراقي - التشيكي في أحداث 11 أيلول/ سبتمبر الإرهابية.
أكاديمي ومفكّر