مطبخ النهايات
كامل عبدالرحيم
ليس كل النهايات مفرحة ولا حزينة، المهم أن تكون معدة جيدا، ربما باستثناء نهايات الحروب حيث يتنفس الجميع الصعداء، مثل هذه الحرب الدائرة الآن والتي تحمل المفاجآت كل يوم وكل ساعة والتي يتغير فيها طعم النصر والهزيمة. لكني لن أتحدث عن الحرب وقد عرتنا جميعا وخسرنا بها ولطالما فعلنا ذلك.
بالأمس سقطت آخر ورقة من أوراق شهر رمضان وكان العرض النهائي للحلقات الأخيرة لمسلسلاته، وكانت سمة تلك النهايات أنها تلفيقية وسطحيه وافتعالية، مفتعلة انتصار الخير والحب أو البطل عموما. في هذا الشهر تابعت مسلسل الحرب وكذلك مسلسلات رمضان بما توفر لي من وقت، اقتصدت بالكتابة عن الحرب فالجو مشحون وهناك من يهددنا لنكون أو نقول مثل ما يريد قوله، إرهاب ليس جديدا علينا كليا، فمن عاش عقود الديكتاتورية وخرج برقبة سليمة ولسان نظيف قد يستطيع الافلات هذه المرة.
فقط لمسلسل (مطبخ المدينة) السوري أعطي 10 على 10 ومن خلاله أستطيع وضع جدول لنقاط المسلسلات الأخرى. وتتجلى قوة (مطبخ المدينة) في نهايته والتي ترقى للنقد المباشر للنظام الجديد والقديم طبعا..
تدور أحداث المسلسل عموما في العام 2024 وهو الذي سقط نظام بشار في شهره الأخير وبالطبع مع استراجاعات للماضي. مطعم اسمه مطبخ المدينة يديره أب اسمه طلحة الجمل (عباس النوري) وأولاده الثلاثة، عبد الكبير ويؤدي الدور عبد المنعم العمايري وشجاع يؤديه مكسيم خليل و رضا. المطعم هو الوطن الذي نأكل طبخاته شئنا أم أبينا والأب هو روح الوحدة الوطنية ومختصر قيمها وعامل استمرارها وبقائها، عبد الكبير هو المواطن المتوسط الذي يريد أن يعيش بكل الطرق المشروعة وغيرها وتدفعه قوانين النظام وطبيعته لارتكاب بعض الجرائم لتنتهي بقتل متسلسل، جريمة تجر أخرى، رضا هو الجيل الجديد الصاعد والمعارض والذي يشترك ببعض أحداث الثورة السورية فينال بسبب ذلك اعتقالا وتعذيبا، أما شجاع فهو (شبيح) تضطره ظروف خدمته العسكرية للاشتراك ببعض أفعال التنكيل وجرائم النظام ولدى العائلة أيضا طفلة صغيرة ضاعت أو خطفت فتركت غصة عند الأب خصوصا وأبنائه عموما ويستغرق البحث عنه نصف المسلسل وهي ترمز للحرية المفقودة والتي تعود بعد تغيير النظام بشكل مسرحي أو مخادع حيث يقوم شجاع باقناع فتاة متسولة بادعاء أنها هي ابنتهم حتى تنتهي غيمة الحزن والتي تثقل العائلة بذنب كبير، ويتقبل الأب كذبة أو خدعة شجاع و كأنها حقيقة. الثيمة المنفردة للمسلسل تتمثل في أغنية التتر وبالذات في المقطع الذي يقول
مادام كلنا مظلومين
مين فينا الخائن
أصلا كلنا مأذيين
عاملين العمايل
وبهذا يوجه المسلسل سهام الاتهام، ليس للنظام الديكتاتوري فحسب بل للجميع، لكل الذين تواطؤوا مع النظام ليس بالجريمة ولكن بالصمت أو التماهي أو عدم الاكتراث وعموما لكل من أستخدم (شريعته) لتمشية مشاكل أو أشياء صغيرة كان لها أن تمر بأخلاقيات أخرى أو متقاطعة مع (شريعة النظام).
يظهر المسلسل شخصية الشبيح (شجاعة) وهي لا تخلو من مناقب الخير والمواطنة العادية وبالنهاية يعمل لتسليم نفسه للسلطات الجديدة لتسوية وضعه فتقوم باعتقاله وعدم إطلاق سراحه بداعي منطق (المصارحة والمصالحة) فتنبري حبيبته وابنة عمه للدفاع عنه ونقد ما يسمى بـ (العدالة الانتقالية) وهي الناشطة المعارضة لنظام بشار والمؤيدة للتغيير. يعرفنا (مطبخ المدينة) أيضا بفن أو مطرب هو (سلامه الاغواني) ويتميز بهذا الأداء الذي يذكرنا فورا بـ (عزيز علي) والذي هو بالمناسبة ليس منولوجا بل نوع من (الاسكيج) حيث تبتدئ أول حلقات المسلسل وكذلك تنتهي آخرها بأغنية من أغانيه، ولد الاغواني عام 1909 أي قبل عزيز علي بسنتين، لكن وللحق فلقدم قدم عزيز علي فنونه قبل الاغواني ولا أظن الأخير تأثر بالأول لتواضع تحصيله الثقافي ربما، وهذا التوظيف الذي نجحت فيه المخرجة (رشا شربتجي) يذكرنا بالفرق الشاسع بين الدراما السورية والعراقية، في كل الجوانب ومنها طبعا صياغة النهايات.
وبالطبع يقدم المسلسل عشرات الشخصيات الأخرى، بدون حشو أو إضافات أو هدر بل لدعم الصورة التي يحاول المسلسل التقاطها لنا، وهي صورة للسردية التي تقدمها الشعوب أحيانا للطاغية مجانا في بعض الأنظمة الديكتاتورية.
كان بودي الحديث أيضا عن مسلسل (مولانا) لكن الحلقة الأخيرة و نهاية القصة أضاعت كل شيء فانهار البناء.