نقطة ضوء
رمضان و(المطبخ) الصحفي؟
محمد صاحب سلطان
ذكرتني أجواء رمضان المبارك، وما نشاهده اليوم من برامج الطبخ في إستوديوهات فارهة وصور مبهرة، بأيام السنوات الأول من عملي الصحفي ،منتصف سبعينيات القرن الماضي، يوم كنا طلبة بقسم الأعلام في كلية الآداب-جامعة بغداد وفي ذات الوقت نعمل محررين بالمكآفاة الشهرية الثابتة بجريدة (الجمهورية)، تلك المدرسة الصحفية المتميزة التي خرجت أجيال متعددة من كفاءات العمل الصحفي في العراق منذ تأسيسها عام 1958 وحتى إغتيالها سنة 2003 بقرار (بول بريمر) الحاكم الأمريكي المطلق على العراق آنذاك، وهذه المؤسسة الصحفية فيها من التقاليد والأعراف المهنية، ما ان يصلب عود من ينتمي إليها، حتى تزجه في حومة العمل الشاق الذي يطلق عليه (المطبخ الصحفي) بعد إختباره، أبتداء من قسم التصحيح والتدقيق اللغوي مرورا بطرق صف الحروف المعدنية المعاكسة والصفحات المقلوبة قبل استعمال التنضيد الألكتروني ، صعودا لتصميم وتنفيذ الصفحات، إلى قراءة (البرومايد)، والمونتاج الفلمي عندما تلصق الصور بعكس حالها عند خروجها من(الكوبي) وحتى مرحلة (البليت) التي تتحول فيها الصفحات الفلمية إلى معدنية تأخذ طريقها إلى المطبعة داخل السيارة الخافرة بسائقها النائم دوما من كثرة المشاوير!، لتظهر الجريدة وملاحقها كطبق شهي بإنتظار قارئها!.
وفي كل تلك المراحل نجد المحرر الخافر لصفحة القسم المعني (التحقيقات، الاخبار، الثقافية، الرياضة، شؤون الناس، المنوعات، المحطة الأخيرة، طب وعلوم، المرأة، الجمهورية والناس، السياسية، وغيرها) يعمل كرديف للمحررين الذين يشكلون سكرتارية تحرير (المطبخ الصحفي)، وأتذكر يومي الأول في تلك الرحلة المثيرة، الذي كان منتصف الشهر الفضيل، مبتدأ اليوم من منتصفه وإلى ما بعد السحور، فأحسست بمسؤولية كبيرة محفوفة بالمخاطر والمفآجأت والشد العصبي، جراء التغييرات المطلوب متابعتها على أخبار الصفحة الأولى وصفحة المحليات، القابلتان للتغيير على الدوام على وفق آخر مستجدات جهاز التيكر المرتبط مع الوكالات الإخبارية المحلية والعالمية، والتي تتطلب الحركة السريعة في القرار والتنفيذ، على أثرها بقيت كلمة (المطبخ) عالقة في الذهن لأيام وكنت أتردد في السؤال عنها وعن مشتقاتها، وهل الصحافة هي عملية (طبخ)؟ فمن يعجن أيضا، حتى إنفرجت أسارير زميل فاضل، لاحظ حيرتي، ليؤكد لي بإن الصحافة، هي أشبه بعملية عجن وطبخ وتوفير مواد، يهيئها الكاتب والمراسل والمندوب على شكل مادة أولية تؤخذ من مصادرها، والمطبخ الصحفي هو من يعدها ويطبخها، فإن كانت مدخلاتها صحيحة، تأتي مخرجاتها جيدة، وكل هذا يعتمد على كيفية إقناع المتلقي بما يقدم له، وتذكر إن من الصعب تحقيق نتائج جيدة ومتميزة من دون الوقوع في مواقف الفشل المحدودة التي نتعلم منها، وعليك أن تتذكر دوما بإن الصحفي قائد رأي بقدر ما هو طباخه، للخروج بنتائج نافعة له وللآخرين، وحين نستخدم لفظ (مطبخ) على عملنا، لا نتحدث عن حالة تشغيلية تم تشخيصها خارج سيطرة أصحابها، بل نتحدث عن زملاء عمل إكتسبوا شخصية كاملة بفعل الخبرة، ولديهم توجه معين في العمل، وهو في الغالب ايجابي، تجاه شئ ما، وهؤلاء دائماً ما يكونون مجهولين بالنسبة للقراء، ومهما عارض أصحاب المطبخ الصحفي، أولئك، وتقاطعوا مع أفكارنا، فسنجد أنفسنا مضطرين لتركهم وليفعلوا ما يريدون، لإنهم يرون صورة الحدث من جوانب متعددة ويعرفون ماهي المواد الصالحة للنشر من عدمها!، وكتتمة لهذه القصة، إكتشفت بعد دهر من ذلك الموقف، بإن ما يعرض اليوم من إعلام غالبه، أعد في (مطابخ) هدفها تغيير مزاجية الناس على وفق أجندة مموليها، وتشتيت أذهانهم وصرفها عما يجري من أحداث نحو جزئيات غرائبية، غايتها تحويل الأنظار بعيدا عما ينتظر منطقتنا العربية من كوارث تلوح في الأفق و ذوي الشأن لاهون..
اللهم سترك!..