خرائطُ التيهِ إلى حضرةِ المعنى
عصام البرّام
يا سائراً بين نارينِ،
بينَ وطنٍ يُسَمِّيكَ باسْمِكَ حينَ تولدُ،
ويَنسى ملامحَكَ حينَ تَكبُرُ،
وبينَ أرضٍ تُعَلِّمُكَ كيفَ تَصيرُ ظِلّاً
لجسدٍ لا يُعْرَفُ…
كنتُ أقولُ:
البلادُ التي في القلبِ لا تَضيقُ،
لكنّي رأيتُها—
تَنْكمِشُ كجُرحٍ قديمٍ
كلّما مَرَّ عليهِ خبرٌ عاجل.
في الحروبِ،
لا يُقتلُ الناسُ فقط،
بل تُقتلُ الطرقاتُ التي كانت تعرفُ أسماءنا،
والنوافذُ التي كانت تحفظُ ضحكاتِنا
كآياتٍ صغيرة.
أحملُ حقيبتي—
لا لأسافرَ،
بل لأجمعَ ما تبقّى مني:
صورةَ أُمّي،
رائحةَ الخبزِ،
وقليلاً من ضوءِ المساءِ
الذي كانَ يُصَلّي معنا دونَ أن ننتبه.
لكنّ الحقائبَ—
يا صديقي—
لا تتّسعُ للبيوت.
في المهاجرِ،
يُعَلِّمونَكَ اللغةَ كأنّها ثوبٌ جديد،
لكنّهم لا يُخبِرونَكَ
كيفَ تخلعُ جلدَكَ القديم.
تصيرُ اسماً آخر،
وتُجيدُ الابتسامَ في الوقتِ المناسب،
لكنّكَ حينَ تنامُ
تعودُ إلى لهجتِكَ الأولى
كطفلٍ يهربُ من المدرسة.
يا ربّ،
أيُّ طريقٍ هذا
الذي يبدأُ بالنجاةِ
وينتهي بالغياب؟
أنا لستُ ضائعاً،
أنا فقط موزَّعٌ
بينَ جهتينِ:
جهةٍ تقولُ: "عُدْ"،
وأخرى تهمسُ: "تابِعْ…
فالعودةُ أيضاً نوعٌ من الرحيل."
أراني في المرايا
وجوهاً كثيرة:
لاجئٌ يحملُ البحرَ في عينيه،
ومقيمٌ يخافُ أن يُقيمَ طويلاً،
وعابرٌ يكتبُ اسمَهُ
على ماءٍ لا يثبت.
وفي لحظةِ صفاءٍ—
حينَ يهدأُ الضجيجُ في داخلي—
أفهمُ قليلاً:
أنّ الوطنَ
ليسَ مكاناً فقط،
بل امتحانٌ طويلٌ للصبر،
وأنّ الغربةَ
ليست بُعداً فقط،
بل اقترابٌ مؤلمٌ من حقيقتِكَ.
فأسيرُ…
لا لأصلَ،
بل لأتعلّمَ كيفَ يكونُ الطريقُ
هو المقام،
وكيفَ يكونُ الفقدُ
باباً خفيّاً
إلى امتلاءِ القلبِ بالله.
وهكذا—
بينَ واقِعٍ يُكسِرُني
وروحٍ تُرمِّمُني—
أمضي…
كأنّي صلاةٌ ناقصة،
لكنّها صادقة.