الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لماذا كل هذا البرود الصيني ؟

بواسطة azzaman

لماذا كل هذا البرود الصيني ؟

شاكر عبد موسى

 

لماذا لم تطور الصين ثوراتها العلمية والصناعية الخاصة، رغم أنها كانت طوال آلاف السنين سباقة في تحقيق اكتشافات مذهلة وتقدم حضاري مبهر؟ بل ولماذا لم تتطور الرأسمالية في عهد أسرة سونغ، وهي الفترة التي شهدت بوادر طفرة تجارية، نقدية وصناعية مع ظهور طبقة تجارية ناشئة؟ أسئلة كالتي طرحها المؤرخ Joseph) Needham )وعالم الصينيات Etienne Balaz) ) باتت تشكل إطاراً فكرياً للعديد من الدراسات التي تسعى لفهم التاريخ الصيني من منظور غربي.

وإذا وسعنا نطاق التساؤل، سنجد أن البعض يستفسر عن غياب الديمقراطية والحكم المحدود في تاريخ الصين، على الرغم من أن الفترات التاريخية مثل عصر الربيع والخريف، والممالك المتحاربة، كانت تمتلك ظروفاً مشابهة لما عاشته أوروبا في مراحلها المبكرة لتطور الدول الحديثة. ناهيك عن تساؤل آخر يتعلق بغياب الصين كقوة عسكرية بحرية عالمية، بالرغم من أن أسطول (سلالة مينغ) جاب المحيطات ووصل إلى أماكن بعيدة.

هذه التساؤلات ليست مجرد أسئلة أكاديمية, فهي عكست على مدى عقود من البحث منطقاً أوروبياً مركزياً في التفكير حيال تاريخ الصين. بنظرة عن كثب، يبدو أن هناك محدودية في الخيال الغربي لفهم أن للصين، كما لأي مجتمع آخر، مسارها التاريخي الخاص الذي تحكمه عوامل وسياقات متباينة.

امبريالية غربية

في الواقع، يعتبر استمرار طرح هذه الأسئلة مرآة لقوة الخطاب الغربي ذاته، وهو خطاب استمد قوته تاريخياً من الهيمنة الإمبريالية الغربية. إذ أن آثار الاستعمار لا تقتصر فقط على السيطرة العسكرية والاقتصادية، بل تمتد لفرض منظومة معرفية ومفاهيمية تعيد تشكيل طرق التفكير حتى بعد انحسار الهيمنة المباشرة.

علاوة على ذلك، لطالما كانت الجدلية بين الحضارات تفاعلية أكثر منها تصادمية. كالحضارة الصينية القديمة وثقافة «سانشينغدوي» التي تعيد التفكير في بعض الروايات التقليدية للحضارة الصينية.

صدام الحضارات

تماماً كما لعب العلماء العرب دوراً محورياً في الحفاظ على الإرث اليوناني وإغنائه، ساهمت الحضارات عموماً في التعلم من بعضها البعض، بعيداً عن مفهوم «صدام الحضارات» الذي يعبر عن رؤية اختزالية وغير دقيقة لتاريخ الإنسانية.

لكن الإشكالية تكمن عندما تتحول هذه الأسئلة والتساؤلات التي بدأ بها مفكرون كبار كـ (نيدهام) و(بالاز) إلى أدوات أيديولوجية في أيدي السياسيين والمنظرين الغربيين. هذا المنهج الذي يضع تاريخ الغرب كمقياس موحد للتقدم البشري، يفترض بشكل ضمني أن أي مجتمع آخر إما يسعى لمحاكاة الغرب أو ينحرف عن هذا المسار، وكلا الخيارين يُصنفانه خارج «الصواب التاريخي».

ضمن هذا التصور، يصبح التاريخ مسرحاً عالمياً يحتل فيه الغرب مركز الصدارة، بينما تُجرد الحضارات الأخرى من سياقاتها وتاريخها لتصبح مجرد شخصيات ثانوية. أحياناً يتحقق للبعض «شرف» الانضمام كأدوار مساعدة على خشبة المسرح الحضاري الغربي، ولكنهم نادراً ما يصبحون محوريين.

ومع ذلك، تغيرت الرواية نوعاً ما في ظل الأزمات التي شهدها الغرب: حروب كارثية لا يزال لهيبها مشتعلاً، وأزمات مالية تهدد بالانفجار مجدداً، وظهور حركات فاشية متطرفة.

بدأت بعض الأصوات الغربية تعترف بأن الهيمنة الغربية قد تسير نحو الأفول. رغم ذلك، يظل هذا الاعتراف محاطاً بتحفظ, إذ يُعتقد أن الغرب يظل النموذج الأعلى للحضارة مهما تعثر. لكن هل يمكن لأحد إنكار إطار الإمبريالية الذي يُلون الكثير من سرديات التاريخ؟.

 تبقى الجرائم المروعة من الإبادة الجماعية وتدمير البيئة وأهوال الاستعمار طي التجاهل أو منفصلة عن «فوائد» الحداثة الغربية المزعومة.

الوجه الآخر لهذه الثنائية المعيبة يظهر في تصوير الشرق أو الدول غير الغربية كـ «تهديد» دائم للغرب. فالصين، التي تتصدر مشهد التقدم الصناعي والعلمي حالياً عبر ما تطلق عليه «اشتراكية ذات خصائص صينية»، غالباً ما تُقدم كخصم مستقبلي طويل الأمد. وفي حين تختزل إيران إلى تهديد سياسي آني للغرب.

ليس من قبيل المصادفة أن يتم تصوير الصين باستمرار على أنها التهديد طويل الأمد وإيران على أنها التهديد المباشر، وهما مجتمعان لهما جذور حضارية وتاريخية عميقة لا يمكن فهمهما بشكل صحيح إلا من خلال شروطهما الخاصة.

من السهولة تشويه صورة الآخرين أو على الأقل تحريفها لتسهيل نشر الدعاية بين مواطنيهم. كيف يمكنك إقناعهم، بطريقة أخرى، بإلقاء القنابل على أطفال الآخرين؟ كما يحدث الأن من قبل أمريكا وإسرائيل في حربهما على أيران الجارية حالياً.

صفقات ضخمة

لا تقتصر المسألة على مجرد إضعاف نفوذ الصين، بل تتضمن أبعادًا أعمق تتعلق بالمصالح الاستراتيجية المباشرة للولايات المتحدة. إذ تمثّل الحروب فرصة ذهبية لعقد صفقات ضخمة في مجال تسويق الأسلحة. فعلى سبيل المثال، عندما تتأجج الأزمات في منطقة الشرق الأوسط، تشهد الدول الخليجية مثل السعودية والإمارات وقطر ارتفاعًا ملحوظًا في إنفاقها العسكري لتأمين احتياجاتها الدفاعية، مما ينعكس مباشرةً في تحقيق مكاسب اقتصادية هائلة لصالح الصناعات العسكرية الأمريكية.

كل تصعيد عسكري يصاحبه توقيع عقود جديدة، وكل أزمة تتحول إلى مصدر لضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الأمريكي عبر تجارة الأسلحة. هذه الديناميكية الاقتصادية والعسكرية ليست عشوائية؛ بل هي جزء من استراتيجية متكاملة تستهدف تحقيق مجموعة من الأهداف المركّبة :

1. الحد من وصول الصين إلى مصادر الطاقة التي تعد أساسية لنموها الاقتصادي.

2. عرقلة مسارات التجارة الاستراتيجية التي تعتمد عليها الصين في استيراد المواد الخام وتصدير المنتجات.

3. إحكام السيطرة على المواقع الجغرافية ذات الأهمية الاستراتيجية لضمان تفوق النفوذ الأمريكي.

4. جني أرباح طائلة من بيع الأسلحة وتعزيز الاقتصاد الوطني الأمريكي.

5. تقويض القوة الصينية تدريجيًا لتهيئة الساحة لمواجهة مستقبلية حول ملف تايوان.

ما يُعتقد لدى البعض بأنه مجموعة أزمات وحروب منفصلة ما هو إلا مظاهر لجزء من خطة استراتيجية أكبر وأكثر تماسكًا. تعدد الجبهات لا ينفي الوحدة المفاهيمية التي تجمعها، إذ أن الهدف الأساسي لهذه التحركات بات واضحًا: التركيز على خنق الصعود الصيني كقوة كبرى تنافس الهيمنة الأمريكية.

 

 

 

 

 

 


مشاهدات 44
الكاتب شاكر عبد موسى
أضيف 2026/04/07 - 2:31 PM
آخر تحديث 2026/04/08 - 12:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 57 الشهر 5994 الكلي 15224067
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير