حين يكون القانون مسؤولا عن كل شيء
نوزاد حسن
دعونا نسأل هذا السؤال:ما الفرق بين الغابة وبين المدينة.؟
ربما سيقال الفرق كبير فالغابة غابة والمدينة شيء اخر لانها تجمع بشري ضخم تربطه علاقات اجتماعية كبيرة.
لكن ما هي روح المدينة؟ما هو الشيء الذي يجعل الناس سعداء وهم يعيشون في مدنهم؟
هل هناك سر يجعل البشر يفضلون هذه المدينة على تلك؟
اظن ان الاجابة تكمن في قضية لم تخطر على بالنا.ذلك اننا نعتقد ان المكان الذي نشأنا فيه وتاقلمنا معه سيكون جنة لا يوجد غيرها في هذا العالم.
لكن حين يتعرض الانسان لموقف يضطر فيه لدفع الرشوة مقابل انجازمعاملة له سيعرف هذا الانسان انه ضحية.وانه مكشوف ويعيش في غابة لا مدينة متحضرة.
روح المدينة هي خضوعها لقانون واضح ومحدد.ولا يعني هذا ان القانون هو الحدود الجزائية او العقوبات او كل ما يتعلق بالاحوال الشخصية فقط بل هناك قانون مدني اخر يتدخل حتى في خصوصيات الناس التي قد تبدو تافهة لحلها.وعند حسمها يشعر كل من المدعي والمدعى عليه بانهما انتصرا ولم يخسر احدهما شيئا.بمعنى يضبط القانون الرغبة ولا يتركها تتحول الى فعل يؤذي او يخل بالنظام.
ان ابسط الرغبات عند الانسان تتطلب قانونا قويا يحسمها.على سبيل المثال شاب يطلب من ابيه ان يشتري له سيارة غالية الثمن ان نجح الابن في دراسته.الاب يفضل ان يشتري لابنه سيارة اقل ثمنا لكنها في النهاية سيارة جيدة.مثل هذه المشكلة العائلية الصغيرة قد تدمر حياة الابن والاب ان بقيت في نطاق تمسك الابن بتنفيذ وعد ابيه له.والحل الافضل ان يلجأ الطرفان الى المحكمة.وفعلا يقف الابن والاب امام القاضي ليفصل بينهما.وتنتهي الدعوة بدرس اخلاقي يقوله القاضي للابن دفاعا عن الاب ويرفض الدعوة.هذه ليست قصة من تاليف باولو كويللو بل هي حادثة حقيقية منتشرة على شبكة الانترنت.وتوجد قصص اخرى تعرض مسجلة لقضايا نقول عند متابعتها ايمكن ان يتدخل القانون الى هذه الدرجة في خصوصيات الناس التي لا تحتاج الى كل هذا الجهد من تقديم دعوى والذهاب الى المحكمة والوقوف امام القاضي للحديث مثلا عن ثمن وجبة عشاء ادعت فتاة ان الشاب الذي واعدها تركها دون ان يدفع ثمن الوجبة.لذا هي تطالبه امام القاضي بان يدفع ما بذمته اليها.
قد يقول من يتابع مثل هذه الفديوات القضائية انها بلا معنى وانها تعقيد للامور اكثر مما يجب.ومثل هذا الحكم هو خطأ كبير.ان اللجوء الى القانون في ابسط القضايا يعني ان النظام السياسي وصل الى درجة عالية من التنظيم بحيث اصبح يحسب لكل رد فعل حسابه.وفي احيان كثيرة تتحول شرارة مشكلة صغيرة الى حريق يدمر اسرة بكاملها.كما ان تطويق رغبات الناس ومشاكلهم الشخصية وعرضها امام القضاء هو احد اهم اسباب السعادة.السعادة اذن هي ان يقف الانسان امام القضاء بسبب سقوط اوراق من شجرة احد الجيران على سطح منزل المدعي.هل يعقل هذا؟اوراق شجر تدعو لتدخل شخص مخول يحسم امر الشجرة حسب القانون.هذا يحدث في دول جعلت القانون حاضرا في كل صغيرة وكبيرة.لذا سيشعر انسان عالم القنون انه محصن بسياج قوي ولن يتعرض للابتزاز والرشوة بسهولة.