نوروز… نارٌ تُشبهنا ولا تنطفئ
دعاء يوسف
نوروز يشبه لحظة دفء تعود فجأة إلى قلبٍ أنهكته الفصول، يشبه صوتًا قديمًا ينهض من الداخل دون أن يُستدعى، أو ضحكة تأخرت كثيرًا لكنها جاءت ممتلئة بالحياة. مع أول شرارة نار، يتغيّر الإحساس بكل شيء، كأن الضوء لا يكتفي بأن يُرى، بل يمتد ليوقظ ما في الداخل، ليعيد ترتيب الشعور، ويمنح اللحظة معنى أعمق من مجرد احتفال.
حين ترتفع الشعلة، لا ترتفع وحدها، بل ترفع معها وجوهًا، ذكريات، وإحساسًا مشتركًا لا يمكن وصفه بسهولة. تتحرك الخطوات في تناغمٍ عفوي، تتشابك الأيادي دون سؤال، وتنساب الأغاني كأنها تعود إلى مكانها الطبيعي بعد غياب. في تلك اللحظة، لا أحد يشعر أنه منفصل عن الآخر، الكل جزء من إيقاع واحد، من نبضٍ جماعي يملأ المكان بهدوءٍ وقوة في آنٍ واحد.
الملابس الملوّنة تفيض بالحياة، كل لون يحمل حكاية، وكل تفصيلة تشبه امتدادًا لذاكرة طويلة. الأقمشة تتحرك مع الخطوات، والألوان تختلط مع وهج النار، في مشهد يبدو وكأنه لوحة حيّة لا تتكرر بنفس الطريقة مرتين. الوجوه تلمع، ليست فقط من انعكاس الضوء، بل من شعور داخلي بالامتلاء، بالانتماء، بشيء يشبه الطمأنينة التي تأتي حين يكون الإنسان في مكانه الصحيح.
النار تعلو بثقة، وكأنها تعرف أنها أكثر من مجرد لهب. حضورها مختلف، ثابت، يشدّ الأنظار دون جهد، ويجمع القلوب دون دعوة. من بعيد، تبدو كعلامة واضحة، ومن قريب، تبدو كدفءٍ شخصي يلامس كل من يقترب منها. هي مركز اللحظة، لكنها أيضًا امتداد لما في داخل الناس، كأنها صورة مرئية لشعور غير مرئي.
في نوروز، تتلاشى المسافات بين الأماكن، ويصبح المشهد واحدًا مهما اختلفت الجغرافيا. المدن تلتقي مع القرى، والسهول تمتد نحو الجبال، والوجوه تتشابه في فرحها رغم اختلاف تفاصيلها. الضوء ينتقل كخيط طويل، يربط الجميع دون أن يُرى، لكنه يُحسّ بوضوح، يمرّ من قلبٍ إلى قلب، ويترك أثره في كل زاوية.
الأطفال يركضون حول النار بضحكات خفيفة، يخلقون عالمًا بسيطًا مليئًا بالفرح، والكبار يقفون بنظرات عميقة، كأنهم يعيشون اللحظة بكل ما تحمل، مرة بعيونهم، ومرة بذاكرتهم. في تلك الوقفة، يختلط الماضي بالحاضر، ويصبح الشعور واحدًا ممتدًا لا يمكن فصله.
نوروز يحمل في داخله معنى التلاقي الحقيقي، التلاقي الذي لا يحتاج ترتيبًا أو اتفاقًا، بل يحدث بشكل طبيعي، كأن القلوب تعرف طريقها نحو بعضها. الأيادي المتشابكة، الخطوات المتناغمة، النظرات المتبادلة… كلها تفاصيل صغيرة، لكنها ترسم صورة كبيرة لتلاحمٍ حيّ، واضح، نابض.
في تلك اللحظات، يظهر الإحساس بالجماعة بشكلٍ عميق، إحساس أن الفرح ليس فرديًا، بل ممتد، يتوزع بين الجميع دون أن ينقص. كل شخص يضيف شيئًا، وكل صوت يكمّل الآخر، حتى يصبح المشهد كاملًا، متماسكًا، وكأنه خُلق ليكون بهذا الشكل فقط.
يمرّ نوروز، لكن أثره لا يمرّ. يبقى في التفاصيل الصغيرة، في الذاكرة، في الإحساس الذي يرافق الأيام بعده. يبقى كضوء خفيف مستمر، كحرارة لا تنطفئ بسهولة، كحكاية تُروى دون كلمات. شعورٌ دافئ، ثابت، يشبه شعبًا يعرف كيف يجتمع، كيف يفرح، وكيف يحافظ على ناره حيّة، عامًا بعد عام.