الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أزمة الولاء في زمن البلاء

بواسطة azzaman

أزمة الولاء في زمن البلاء

ضياء واجد المهندس

 

يُحكى في بلاد الطغاة أن المهرج إذا انتقل إلى القصر لا يصبح ملكًا، بل القصر نفسه يتحول إلى سيرك رسمي معتمد، تُباع فيه تذاكر الضحك على شكل “تصريحات”، وتُوزّع فيه أقنعة الولاء مجانًا على الجمهور.

في هذا السيرك الوطني العظيم، تتبدّل القيم كما تتبدّل الوجوه على الشاشات:

الولاء للوطن؟ صار موضة قديمة.

الولاء للزعيم؟ هذا هو آخر إصدار سياسي معتمد، بضمانة لجنة الانتخابات نفسها!

أما “حرية التعبير”، فقد تم تحويلها رسميًا إلى “حرية التعبير عن الإعجاب”، وأي مواطن يجرؤ على رفع إصبعه ليشير إلى خطأٍ، يجد نفسه محاطًا بـ“كلاب الحراسة السياسية” الذين يرون في كل إصبع مرفوع مؤامرة خارجية ممولة من كوكب المريخ.

فإذا قلت إن النائب غائب، قالوا: "هو يخطط بصمت".

وإذا قلت إن الحكومة فاشلة، قالوا: "أنت تحبط المعنويات".

وإذا سألت: "أين الخدمات؟" قالوا: "اصبر، فالتنمية في مرحلة الدعاء".

أما العجب العجاب، فهو أن الغائبين عن البرلمان صاروا اليوم نجوم القوائم الانتخابية!

الغياب صار فضيلة، والصمت صار شهادة حسن سلوك سياسي، ومن لا يتكلم يُكافأ، ومن يتكلم يُلعن على القنوات.

لقد أصبحت “جلسات البرلمان” أقرب إلى عروض غياب جماعي منسّق، وكأنهم يتنافسون على لقب “أكثر نائب لم يُرَ منذ 2018”.

وفي كل موسم انتخابي، يعاد تدوير الشعارات كما يُعاد تدوير النفايات، لكن الفرق أن النفايات تتحول إلى طاقة، بينما الشعارات تتحول إلى ملصقات باهتة فوق أرصفة متعبة.

أما المواطن، فهو كالمتفرج الدائم في السيرك ذاته:

يشاهد المهرجين يتبدلون، لكن العرض واحد، والموسيقى نفسها، والحركات محفوظة.

ينتظر إصلاحًا... فيأتيه مؤتمر صحفي.

ينتظر قانونًا... فيأتيه اعتذار.

ينتظر كهرباء... فيأتيه “بوستر” انتخابي مضيء!

السياسة في العراق اليوم صارت رياضة جماعية اسمها “نطّ الحبل بين الخصومات والتحالفات”، فيها كل شيء مباح إلا قول الحقيقة. فالحقيقة تُعتبر "كلاماً غير مسؤول"، بينما الكذب يُمنح "درع الواقعية السياسية".

أما البرلمان، فقد تحوّل من مرآة للشعب إلى مرآة تجميل للحزب، كل نائب يضع عليها “فلتر الوطنية” قبل كل ظهور تلفزيوني، ليبدو أكثر التزامًا وأقل حضورًا!

وهكذا، يُكافأ الغياب، وتُبرّر الأخطاء، ويُرفع شعار “نحن بخير” كلما سقط شيء جديد في البلاد، من مشروع إلى حلم.

لكن في النهاية، لا الحارس حرس، ولا الطاغية ارتاح، ولا الإصبع توقف عن الإشارة.

الفرق الوحيد أن الحارس اليوم يعضّ الإصبع بدل أن يرى أين يشير، لأن عضّ الإصبع لا يحتاج إلى وعي... بل إلى أسنان قوية وضمير مستريح.

فيا أيها الحراس الجدد،

اعضّوا كما تشاؤون، لكن تذكروا أن الوطن لا يُحمى بالنباح،

وأن “المصفقين” لا يصنعون تاريخًا، بل يصنعون ضوضاء تُخفي الخراب.

في النهاية، كما قال أحد الحكماء في لحظة سخرية لاذعة:

"في البلاد التي يكثر فيها المصفقون، لا يُسمع صوت المخلصين...

لأن التصفيق أعلى من صوت الحقيقة."

 

رئيس مجلس الخبراء العراقي


مشاهدات 66
الكاتب ضياء واجد المهندس
أضيف 2026/03/20 - 11:09 PM
آخر تحديث 2026/03/21 - 12:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 12 الشهر 17273 الكلي 15009342
الوقت الآن
السبت 2026/3/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير