الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
انتم الشهداء ونحن السعداء

بواسطة azzaman

انتم الشهداء ونحن السعداء

أحمد جاسم الزبيدي

 

في طفولتنا البسيطة، حين كنا نتشاجر في الأزقة الضيقة، كانت هناك قاعدة غير مكتوبة يفهمها الجميع: رئيس الفريق هو أول من يدخل العراك، هذا في الطوبة .

هو من يتقدم الصفوف، لا من يختبئ خلف الجدار ويكتفي بالصراخ: تقدموا… أنا معكم!

كانت قاعدة أخلاقية قبل أن تكون بطولة:

من يقود الناس إلى المعركة يجب أن يكون أول من يتحمل ثمنها.

 

لكن يبدو أن السياسة في منطقتنا، وخصوصًا في العراق، قررت أن تطور هذه القاعدة بطريقتها الخاصة.

ففي السنوات الأخيرة، ومع تكرار قصف المعسكرات الأمنية ومقرات الحشد، رأينا مشهدًا يتكرر بطريقة تكاد تصبح روتينًا سياسيًا:

تسقط الضربات، يسقط الضحايا، يخرج بيان غاضب، ترتفع الأصوات، وتُستعاد مفردات البطولة والشهادة.

الشباب الذين كانوا قبل أيام يبحثون عن وظيفة أو راتب يسد رمق عائلاتهم، يجدون أنفسهم فجأة في قلب معركة أكبر من أعمارهم.

بعضهم يُدفع إليها بحماس العقيدة، وبعضهم بدافع الحاجة، وبعضهم لأنه ببساطة لم يجد خيارًا آخر.

ثم تبدأ الخطب.

خطب طويلة عن الكرامة

عن التضحية

عن الشهادة التي تفتح أبواب الخلود.

وفي العلن يُقال لهم:

أنتم الشهداء… أنتم حماة الوطن.

لكن الحياة، بخبثها المعتاد، تكشف مفارقة صغيرة:

فالذين يسقطون تحت القصف هم غالبًا أولئك الفتية الذين يقفون في الخطوط الأمامية،

بينما القادة الذين تشتعل حناجرهم في الميكروفونات يعرفون جيدًا كيف يختارون مواقعهم الآمنة.

بعضهم يعيش بعيدًا عن مدى الصواريخ،

وبعضهم يملك من الامتيازات ما يكفي ليحجز مقعدًا مريحًا على أول رحلة طيران إذا اشتدت العاصفة.

وهكذا تتحول المعادلة العراقية المؤلمة إلى مشهد ساخر رغم مرارته:

الشباب يذهبون إلى الجبهات،

والقادة يذهبون إلى المؤتمرات.

الشباب يحملون البنادق،

والقادة يحملون البيانات.

وفي كل مرة يسقط ضحايا جدد بسبب القصف أو الصراع المفتوح على أرض العراق، يعود السؤال القديم الذي تعلمناه في الأزقة قبل أن نتعلمه في السياسة:

إذا كان القائد يؤمن حقًا بالمعركة التي يدعو إليها

فلماذا لا يقف في الصف الأول؟

ربما لأن القاعدة الجديدة للسياسة تقول شيئًا مختلفًا تمامًا عن حكمة الطفولة القديمة:

في الخطب يُقال للشباب بحماسة:

أنتم الشهداء.

أما في الحسابات الصامتة

فالمعادلة أبسط بكثير:

أنتم الشهداء

ونحن السعداء.

 

 


مشاهدات 59
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/03/17 - 12:23 AM
آخر تحديث 2026/03/17 - 1:29 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 116 الشهر 14076 الكلي 15006145
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير